وَهَذَا مِنْ قِلَّةِ فَهْمِهِمْ وَعَدَمِ تَدَبُّرِهِمْ الْآيَةَ .
وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ تَنَاقُضٌ .
لَا فِي ظَاهِرِهَا وَلَا فِي بَاطِنِهَا .
لَا فِي لَفْظِهَا وَلَا مَعْنَاهَا .
فَإِنَّهُ ذَكَرَ عَنْ الْمُنَافِقِينَ وَاَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ النَّاكِصِينَ عَنْ الْجِهَادِ .
مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ { أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ } هَذَا يَقُولُونَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْ بِسَبَبِ مَا أَمَرْتنَا بِهِ مِنْ دِينِك وَالرُّجُوعِ عَمَّا كُنَّا عَلَيْهِ : أَصَابَتْنَا هَذِهِ السَّيِّئَاتُ .
لِأَنَّك أَمَرْتنَا بِمَا أَوْجَبَهَا .
فَالسَّيِّئَاتُ : هِيَ الْمَصَائِبُ وَالْأَعْمَالُ الَّتِي ظَنُّوا أَنَّهَا سَبَبُ الْمَصَائِبِ : هُوَ أَمَرَهُمْ بِهَا .
وَقَوْلُهُمْ " مِنْ عِنْدِك " تَتَنَاوَلُ مَصَائِبَ الْجِهَادِ الَّتِي تُوجِبُ الْهَزِيمَةَ لِأَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِالْجِهَادِ .
وَتَتَنَاوَلُ أَيْضاً مَصَائِبَ الرِّزْقِ عَلَى جِهَةِ التَّشَاؤُمِ وَالتَّطَيُّرِ .
أَيْ هَذَا عُقُوبَةٌ لَنَا بِسَبَبِ دِينِك .
كَمَا كَانَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ يَتَطَيَّرُونَ بِمُوسَى وَبِمَنْ مَعَهُ .
وَكَمَا قَالَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ لِلْمُرْسَلِينَ { إنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ } وَكَمَا قَالَ الْكُفَّارُ مِنْ ثَمُودَ لِصَالِحِ وَلِقَوْمِهِ : { اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ } فَكَانُوا يَقُولُونَ عَمَّا يُصِيبُهُمْ - مِن الحَرْبِ وَالزِّلْزَالِ وَالْجِرَاحِ وَالْقَتْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْصُلُ مِن العَدُوِّ - : هُوَ مِنْك .
لِأَنَّك أَمَرْتنَا بِالْأَعْمَالِ الْمُوجِبَةِ لِذَلِكَ .
وَيَقُولُونَ عَنْ هَذَا وَعَنْ الْمَصَائِبِ السمائية : إنَّهَا مِنْك .
أَيْ بِسَبَبِ طَاعَتِنَا لَك وَاتِّبَاعِنَا لِدِينِك : أَصَابَتْنَا هَذِهِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 249
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٤٩