إذا كانت الصلة بين العالم واللّه هي الصلة بين الظل والشمس أو الصلة بين القطرة وبحر الوجود فسرعان ما يتلاشى الظل في الشمس وتذوب القطرة في البحر ، وإذا كانت هذه الصلة هي الصلة بين الطلسم والكنز ، فما أسرع أن يتحطم الطلسم ليظهر الكنز ، أي أن العالم على هذه الصور الثلاث عدم لا وجود له ، ولا وجود إلا للّه الأعظم وهو صاحب الوجود وحده ، وإلى هذا المعنى يشير العطار بقوله في المقدمة :
والعرش مستقر على الماء والعالم سابح في الفضاء ، واعبر الماء والفضاء فالجميع هو اللّه ، والعرش والعالم لا يزيدان عن مجرد طلسم ، واللّه وحده وليس لهذه الأشياء كلها إلا الاسم ، فامعن النظر فما هذا العالم أو ذاك إلا اللّه وحده ، إذ لا وجود إلا له ، وهو الموجود وحده ( 52 - 54 ) .
وما دام الوجود للّه وحده وما عداه عدم فلا يمكن أن يصدر عن العدم فعل فالفاعل هو اللّه وحده .
وهذا المبدأ الصوفي يتضح لنا في قصة منطق الطير ، فبعد أن قطعت الطير الأودية ووصلت إلى السيرغ أخبرت بأن ما رأته وعرفته وقالته لم يكن هو : ويقول أحد الدارسين لمنطق الطير « يحتمل أن يكون الغرض هنا لم يكن كما ظنت من قبل ، فإن عملها لم يكن عملها في الواقع وإن كل الأودية التي عبرتها وكل الشدائد التي صادفتها ليست إلا من عمل اللّه . . . « 1 »
أي أن اللّه هو الفاعل وحده وما الإنسان إلا واسطة أو وسيلة لقدرة اللّه ، وأن عمله في هذه الحالة كان عملا سلبيا ويشعر الإنسان أن اللّه هو الذي قدره على أن يفعل ما فعل ، وبذلك نجد أن جميع النشاط وأن جميع الذاتية تمضي في اللّه . « 2 »
هامش
( 1 )Ritter : P . 600( 2 ) نفس المرجع السابق ص 599 .