عندما جاءت تلك الطيور منهوكة القوى ، جاءت كطائر نصف ذبيح ، وقد أصابها الفناء والمحو ، وظل يحيط بهم حتى ذلك الوقت .
وأخيرا جاء حاجب العزة ، من الأعتاب العلية فجأة ، فرأى أمامه ثلاثين طائرا غاية في العجز ، وقد أصبحت مجرد ريش وأجنحة بلا أرواح ، كما أصاب الهزال أجسامها ، وتملكتها الحيرة من أولها إلى آخرها ، ووقفت خائرة القوى شديدة الوهن ، فقال :
أيها القوم ، ثوبوا إلى رشدكم ، ومن أي مدينة أقبلتم ، ومن أجل أي شيء إلى هذه الأعتاب جئتم ؟ وأنتم أيها الجهلة ، ما أسماؤكم ؟ وأين تكمن راحتكم ؟ وبم يصفكم الإنسان في الدنيا ؟ وأي فعل يمكن أن يتأتى من حفنة من العجزة ؟
قال الجميع : إننا حضرنا إلى هذا المكان ، ليكون السيمرغ لنا السلطان ، ونحن جميعا حيارى في هذه الديار ، وقد أصبحنا عاشقين لا يقر لنا قرار ، لقد انقضت مدة مديدة حتى جئنا من هذا الطريق ، ووصلنا إلى الأعتاب ثلاثين بعد أن كنا آلافا ، وقد جئنا من طريق بعيد وكلنا رغبة في أن نحظى بالحضور في هذه الحضرة ، فمتى يرضى السلطان عما كابدناه من تعب ، حتى يرعانا في النهاية بالعطف والحدب ؟
قال حاجب الحضرة : أيها العجزة ، يا من تلوثتم بدماء القلب كالوردة ، إن تكونوا أو لا تكونوا في العالم ، فهو السلطان المطلق الدائم ، ومائة ألف عالم مليئة بالجند والحشم ، ليست إلا نملة على باب هذا السلطان الأعظم ، ولن ينتج عنكم في النهاية إلا الألم والزحير ، فعودوا أدراجكم ، أيها الجمع الحقير . .
يئس كل واحد من هذا القول ، وأصبحوا بلا حراك كالموتى ، وقال الجميع : كيف ينعم علينا هذا السلطان المعظم بالذل في نهاية
منطق الطير — صفحة 417
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٤١٧