الحضرة ، فقد وصل نفر قليل من كل أولئك الطير ، فهناك يصل واحد من بين كل عدة آلاف . لقد غرق البعض في البحر ، كما أصيب البعض بالفناء ، وأسلم البعض الأرواح عطشى ، وذلك على قمم الجبال من شدة الحرارة والآلام ، وأصيب البعض من وهج الشمس باحتراق الأجنحة وشواء الأرواح ، وأصيب البعض بالذلة والمهانة ، مما بالطريق من أسود ونمور ، ومات البعض من التعب في صحراء صادية الشفة ، وقتل البعض أنفسهم كالفراشة ، من أجل تعلقهم بالحبوب ، وأصاب الألم البعض وكذا الوهن ، مما دهمهم بالتخلف والهجران ، وتوقف البعض أمام عجائب الطريق ، فلزم كل منهم موقعه ، وأسلم البعض أجسادهم للطرب وكفوا بعد ذلك عن الطلب . .
وأخيرا لم يتقدم إلى هناك إلا نفر قليل من بين مئات الألوف . وذلك الجمع الغفير من الطير لم يصل منه إلا ثلاثون طائرا . وصل الثلاثون وقد عدموا الأجنحة والريش ، وألم بهم التعب والوهن . وصلوا محطمي القلوب فاقدي الأرواح ، سقيمي الأجساد ؛ فرأوا الحضرة دون وصف أو صفة ، رأوها تسمو على الإدراك والعقل والمعرفة ، وما أن أضاء برق الاستغناء حتى أحرق مائة عالم في لحظة واحدة ، ورأى الجميع عددا وفيرا من الشموس المعتبرة ، ورأوا عددا كبيرا من الأقمار والنجوم الزاهرة ؛ فوقعوا جميعا في حيرة ، وظلوا كذرة مضطربة حائرة ، وقالوا جميعا :
إذا كانت الشموس تبدو كذرة فانية بجانب ذلك السلطان الأعظم ، فكيف نبدو نحن في هذه الأعتاب ؟ يا للحسرة على ما تحملناه من آلام بالطريق ! لقد قطعنا الأمل من أنفسنا ، ولكن لم نقطع الأمل من الهدف المنشود ، وإذا كانت مئات العوالم مجرد ذرة من تراب هناك ، فأي خوف إن وجدنا ، أو أصابنا العدم ؟
منطق الطير — صفحة 416
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٤١٦