المقالة الرابعة والأربعون في صفة وادي الفقراء والفناء ( 3920 - 3936 )
وبعد ذلك يأتي وادي الفقر والفناء ، ومتى جاز الكلام هنا ؟ فعين هذا الوادي هي النسيان والبكم والصم وذهاب العقل والوجدان ، وسترى مئات الظلال الخالدة تتلاشى أمام شعاع واحد من شمسك الوضاءة ، وإذا هاج وماج البحر الكلي ، فهل تبقى نقوش على صفحة ذلك البحر ؟
وكلا العالمين مجرد نقش على سطح هذا البحر ، فكل من يقول لا ، كلامه هراء ، وكفى . وكل من أصيب بالفناء في بحر الكل ، فقد فني تماما وأصابه البلى ، والقلب في هذا البحر الملئ بالفناء ، لا يجد شيئا سوى الفناء ، فإذا منح الفناء ثانية ، أحاط علما بالخلق ، وتكشفت له أسرار كثيرة .
حينما يمضي السالكون المجربون ، وعظام الرجال إلى ميدان الألم ، يفنون في أول خطوة ، وأي تقدم بعد ذلك ؟ لا جرم ألا يكون للإنسان خطوة ثانية بعد ذلك . وإن أصابهم الفناء من أول خطوة ، فاعتبرهم من الجماد ، ولو كانوا من الخلق ! فعندما تلقى الأعواد والحطب إلى النار ، تتحول كلها معا إلى رماد ، ويظهر لك الاثنان صورة الواحد ، مع ما يبدو لك من فروق في صفاتها .
وإن يفن نجس في بحر الكل ، يسقط إلى القاع ذليلا بصفاته ، ولكن إن ينزل إلى هذا البحر رجل طاهر ، فسيفنى فناء حقيقيا ، ولن يبقى له أثر ، حيث تصبح حركته هي حركة البحر . وعندما يفنى ، يكون غارقا في مجال الحسن والطهر ، وإن يحدث هذا ، يكن فانيا وهو موجود ، وهذا يخرج عن نطاق الخيال والعقل .
* * *