حكاية ( 3719 - 3730 )
قال لقمان السرخي « 1 » : إلهي ، إنني شيخ هرم ولهان ضللت الطريق ، وإن العبد الطاعن في السن يكافأ بوثيقة عتقه وإطلاق سراحه ، أما أنا فما زلت عبدا لك يا إلهي ، وقد ابيض شعري الأسود . إنني عبد تحمل الكثير من الغم ، فامنحني السعادة ، لقد أصبحت شيخا ، فانعم علي بوثيقة العتق والحرية .
قال له هاتف : يا من يعد من خواص الحرم ، إن كل من يطلب الخلاص من العبودية ، عليه أن يفني عقله وتكليفه معا ، فتخل عن كلا الاثنين ، وسر في الطريق .
فقال : إلهي ، إنني أطلبك أنت على الدوام ، وليس لي بالعقل والتكليف أي اهتمام .
وأخيرا خرج عن حدود العقل والتكليف ، وظل يرقص مما تملكه من جنون ، ويقول : إنني لا أعرف الآن ، من أنا ، فإن لم أكن عبدا ، فمن أنا ؟ لقد انمحت العبودية ، وانعدمت الحرية ، وما تبقت ذرة هم أو بارقة سعادة في القلب ، وهل عدمت الصفة ؟ أم أنني أتسم بأي صفة ؟
وهل أنا عارف ؟ أم أنني عدمت المعرفة ؟ ولا أعلم أأنا أنت ، أم أنت أنا ؟ فقد فنيت فيك وتلاشت الأنية .
هامش
( 1 ) لقمان السرخسي : جاهد كثيرا في بداية سلوكه الطريق ، وفجأة أنعم عليه بالكشف وولى منه العقل ، وقد وردت هذه الحكاية في ( أسرار التوحيد في مقامات الشيخ أبي سعيد ) وذكرت : أن لقمان سمع بعد تضرعه من يقول له : « يا لقمان قد اعتقناك » .
ويقول مؤلف أسرار التوحيد ، إن الدليل على عتقه أن أخذ منه العقل والتكليف .
انظر : أسرار التوحيد في مقامات الشيخ أبي سعيد لمحمد بن المنور بن أبي سعيد ترجمه : إسعاد عبد الهادي قنديل ؛ القاهرة : ص 40 - 41