ألقيتم بيوسف في البئر ، ثم اتهمتم ذئبا بريئا . وطرق الطاس مرة ثالثة ، فأحدث الطاس أصواتا أخرى ، فقال : يقول الطاس : إنكم أصبت الوالد بالحرقة ، حيث بعتم يوسف القمري الوجه . فهل يفعل الكفار ما فعلتموه مع أخيهم ؟ فليصبكم الخذلان من الحق ، أيها الحاضرون .
تملك هؤلاء الإخوة الحيرة من هذا الكلام ، وتصبب الجميع عرقا ، مما ألم بهم من خجل ، وعلى الرغم من أنهم باعوا يوسف في ذلك الوقت ، إلا أنهم أضاءوا طريق الحياة أمامه في ذات الوقت ، وما أن ألقوه في البئر ، حتى سقطوا جميعا في بئر البلاء .
عديم البصيرة من يسمع هذه القصة ، ولا يأخذ منها العبرة . لا تنظر إلى هذه القصة بلا بصيرة ، فهذه كلها قصتك أنت ، أيها الجاهل .
كل ما فعلته من عدم وفاء ، قد فعلته دون إدراك لنور المعرفة ، وإن يطرق إنسان الطاس من أجلك ، فستجد أفعالك القبيحة تفوق كل هذا ، فلتظل كما أنت حتى يوقظوك ، ثم يأسروك وأنت في طباعك السيئة . وليبق إلى الغد كل جفائك ، وليبق لك كل كفرك وأخطائك ، فسيعرض كل ذلك واحدا واحدا ، وسيحصى عليك كل ذلك واحدا واحدا ، وإلام يصل صوت الطاس إلى الأذن ؟ إنني لا أعلم إلى متى يبقى العقل والإدراك .
يا شبيها بالنملة العرجاء في مزاولة كل أمر ، هكذا أصبحت في قاع الطاس كالأسير ، وما أكثر ما طفت حول الطاس منكسا ، فامض فإن هذا الطست غاص بالدماء ، وإن تظل وسط الطاس مبتليا ، فسيأتيك بصوت جديد في كل لحظة . فارفع الرأس وأمعن النظر يا عالما بالحق ، وإلا فتصبح مفضوحا من صوت الطاس .
* * *
منطق الطير — صفحة 321
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٣٢١