حكاية ( 2345 - 2359 )
شرب عيسى ماء من نهر عذب ، فكان طعم الماء يفوق في عذوبته ماء الورد ، وملأ شخص آخر جرة من هذا النهر ومضى ، فجاءه عيسى وشرب من ماء الجرة ، فأصبح فمه غاية في المرارة من ماء الجرة ، فعاد وقد تملكته الدهشة والحيرة ، وقال : إلهي ، إن ماء الجرة وماء النهر كلاهما من ماء واحد ، فما السر ؟ ولم يبدو ماء الجرة غاية في المرارة ؟ ولم يبدو ماء النهر يفوق العسل المصفى حلاوة ؟
جاءت تلك الجرة صوب عيسى تحادثه ، فقالت : يا عيسى إنني كرجل مسن أصابه الوهن ، فقد عشت عمرا مديدا تحت قبة الأفلاك التسعة ، فصرت كأسا وجرة وغرارة ، وإن تجعلوني جرة ألف عام ، فلن يكون لي إلا مرارة الموت والهم ، وسأظل أشعر بالمرارة من الموت على الدوام ، كما يظل طعم مائي بسبب هذا الهم مرا على الدوام .
أيها الغافل لتبحث عن الأسرار في النهاية لدى الجرة ، ولا يتملكك العجب والدلال من الغفلة أكثر من هذا ، ولقد أفنيت نفسك ، يا من تبحث عن السر ، وقبل ذلك كانت لك روح باحثة عن السر ، وإن لا تجد حياتك مرة أخرى ، فكيف يكون في مقدورك عندما تموت معرفة سرك ؟ ولن تستطيع بفطنتك معرفة أي خبر عن نفسك ، كما لن يبقى لك أي أثر بعد موتك ، الحي ماله الفناء وراء أشياء تافهة ، فقد ولد خليقا بالآدمية ولكنه حاد عنها بعد ذلك ، فمئات الألوف من الحجب تقف في طريق ذلك السالك ، فكيف يستطيع إدراك نفسه بعد ذلك ؟
* * *