تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق الطير — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
تخلت عنه دعوته ، وغزاه التباهي بالباطل ، وكل ما أدركه ضاع من ذاكرته ، وما أن أقبلت الخمر حتى ولى كالريح عقله ، كما غسلت من لوح ضميره خمر المعاني التي كانت له من قبل ، وظل عشق الفتاة مشكلا بالنسبة له ، مع أنه تطهر من كل ما عداه ، ثمل الشيخ وغلبه عشقه ، وأصبح كالبحر وقد غصت بالاضطراب روحه ، ثم رأى المعشوقة ثملة تمسك بالكأس في يدها ، فأسرع الشيخ صوبها ، وقد لعبت الخمر بقلبه وعقله ، فطلب من الفتاة أن تقبله . . فقالت له الفتاة . يا من لست خليقا بأعمال الرجال ، إنك مدع في العشق ولست خبيرا بالمعاني ، إن العافية لا تتفق مع العشق ، بل الكفر خليق بالعشق ، فإن تكن لك قدم راسخة في العشق ، فإنك تدين بمذهب هذه الضفيرة المتعددة الطيات . . فضع قدمك في الكفر كما فعلت ضفيرتي ، حتى لا يكون العشق أمرا ينم عن حماقة ، فإن تقتد بضفيرتي ، جاز لك أن تعانقني في تلك اللحظة ، أما إن كنت لا تقبل الاقتداء الآن ، فانهض وارحل ، فهذه عصاك ، وذاك رداؤك . . تحير الشيخ العاشق حيث فقد زمام نفسه ، وأسلم قلبه من الغفلة إلى قضائه وقدره ، وقد كان قبل أن يغزو رأسه السكر ، لا يفرغ لحظة من إدراك سر الوجود ، والآن وقد أصبح الشيخ عاشقا ثملا ، فقد فقد السيطرة على نفسه وكل ما كان في حوزته ، وما عاد يفيق إلى نفسه ، وافتضح أمره ، وما عاد يخشى أحدا ودان بالمسيحية . وأحدثت الخمر المعتقة عظيم أثرها فيه ، حيث أخالت الشيخ كالفرجار اضطرابا . وقد توفر للشيخ العشق الفتيّ وما عتّق من خمر ، كما مثلت أمامه معشوقته ، فكيف يقدر على الصبر ؟ أخيرا أصبح الشيخ من العشق مفتونا ثملا ، وقد غاب عن وعيه