تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق الطير — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
معا ، كما أمسك بزمام الكشف والسر معا ، وحج زهاء خمسين حجة ، وقضى عمرا مديدا في أداء العمرة ، وصومه وصلاته دائبان بلا توقف ، وما توانى عن سنة مطلقا ، ومن سبقوه من أئمة ، مثلوا بين يديه اعترافا بسبقه ، وقد استطاع أن يقد الشعرة ، حيث كان عالي المنزلة في المقامات والكرامات ، وكل من شكا إليه ضعفا أو علة ، وجد من أنفاسه عافية وصحة ، وكان للجميع قدوة في مجال العلم سواء في القبض أو البسط . ومع إدراكه أنه قدوة الأصحاب ، فقد رأى نفسه ليالي متوالية على هذه الحال ، رأى أنه رحل عن الحرم ، واستقر ببلاد الروم ، ورأى أنه للأصنام دائم السجود . وذات ليلة ، تيقظ عند رؤية هذا الحلم ، وقال : واحسرتاه ! في هذا الزمان سقط يوسف الموفق في البئر ، واعترضت عقبة كئود طريقه ، فلا أعلم متى أحرر روحي من هذا الغم ، وقد قلت بترك الروح عندما يكتمل إيماني . ولكن ؛ لا وجود لإنسان على ظهر الأرض ، لم تعترض طريقه عقبة كهذه ، فإن يتغلب على عقبته ، ينكشف الطريق أمامه إلى نهايته . وإذا ظل يقف خلف تلك العقبة ، فعاقبته أن يصبح طريقه بلا نهاية . آخر الأمر ؛ قال المتبحر في العلم لمريديه : الآن وجب علينا العمل ، إذ يجب الإسراع إلى بلاد الروم ، لندرك تفسير هذا المقام . سافر معه أربعمائة مريد معتبر ، مقتدين به في السفر ، ساروا من الكعبة إلى أقصى بلاد الروم ، ثم طوفوا بجميع أرجائها ، وفجأة وقعت عيونهم على بناء شاهق ، وقد جلست على سطحه فتاة . كانت الفتاة المسيحية ذات روح ملائكية ، بل كأنها نفحة من روح اللّه . أشرقت كالشمس في فلك الحسن ، واستقرت في برج الجمال المنزه