المقالة العاشرة عذر مالك الحزين ( 950 - 971 )
ثم أقبل مالك الحزين أمام الجمع على عجل ، وقال : يا طيري ، ويا من بهم أهتم ، إن أفضل مكان لي على ضفاف البحر ، حتى لا يسمع أحد نواحي ونحييي ، إنني لا أسبب أذى لأحد قط ، كما لا يتأذى أحد في الدنيا مني قط ، إنما أجلس على شاطىء البحر مهموما ، أجلس دائما حزينا مغموما .
إن قلبي ينفطر شوقا إلى الماء ، وماذا أفعل إذا ما احتوتني الحسرة ؟
وما لم أكن - ويا للعجب - من أهل البحر ، فإنني أموت صادي الشفتين على شاطىء البحر . ومهما أرغى البحر وأزبد ، فإنني لا أستطيع ارتشاف قطرة منه ، أما إذا تناقصت مياه البحر قطرة ، فيا لحرقة قلبي غيرة ، فكفى أمثالي عشق البحر ، حيث وصل هذا العشق في قلبي مرحلة الاكتفاء ، وليس لي في الدنيا إلا تحمل هموم البحر ، لذا لا أستطيع تحمل مشقة السيمرغ ولو للحظة ، فمن يكون أساسه قطرة ماء ، أنّى له إدراك الوصل مع السيمرغ ؟ .
قال الهدهد : أيها الجاهل بخبايا البحر ، إنه غاص بالتماسيح وذوات الروح ، ماؤه مر أحيانا ، ومالح أحيانا ، يسوده الهدوء أحيانا ، ويعتريه الاضطراب أحيانا . والشيء المضطرب غير المستقر ، تارة إلى الأمام يندفع ، وتارة إلى الوراء ينحسر ، ما أكثر السفن التي تحطمت فيه بالعظماء ، وما أكثر من سقطوا في دوامته وماتوا . وكل من يسلك فيه طريقا ، كما يفعل الغواص ، يحبس أنفاسه فلا يصرح بشيء من همومه ،