بعيدا بعيدا ، وغصت السماء المرفوعة بلا عمد بالنور ، وغرق هذا العمود في الحزن لفراق الرسول . .
كيف يتأتى لمثلي أن يصفه ، وجبيني يتصبب عرقا كالدماء من شدة خجلي ؟ إنه فصيح العالم وأنا أبكمه ، فكيف أستطيع شرح حاله ؟ ومتى كان وصفه يليق بشخص مهين ؟ فوصفه وقف على خالق العالم وحده . .
يا من الدنيا بما لها من منزلة تراب لك ، ومائة روح دنيوية تراب لروحك الطاهرة ، قد تحير الأنبياء في وصفك ، كما تملكت الحيرة العلماء والعارفين في كنهك ، ويا من بسمتك شمس وضاءة ، وبكاؤك آمر للسحاب بالإمطار ، كلا العالمين غبار حول تراب قدمك ، ولقد تدثرت بدثار - يا رفيع المكانة - فارفع رأسك أيها الكريم من تحت الدثار ، ثم امدد قدميك على قدر هذا الدثار .
لقد تلاشت كل الشرائع أمام شريعتك ، وضاعت أصولها جميعا أمام مذهبك ، وما دام شرعك وحكمك في الوجود ، فاسمك مقترن باسم اللّه صاحب الوجود . وكل نبي أو رسول ، سارع بالدخول في دينك من كل سبيل ، فإذا لم يكن قد أتى من هو أفضل منك من قبل ، فلن يأتي من بعدك أحد ولا ريب ، أنت الآخر والأول في هذا العالم ، وأنت السابق واللاحق معا ، ولن يصل شخص قط إلى ترابك ، كما لن يصل أي شخص لمثل هذا العز كذلك « 1 » . .
إن سيادة العالمين إلى الأبد وقف على المرسل أحمد ، أما أنا يا رسول اللّه فما أكثر عجزي ، إنني صفر اليدين ، وقد علا التراب مفرقي ، أنت المعين للضعفاء في كل لحظة ، ولا معين لي في كلا العالمين
هامش
( 1 ) بعض النسخ تنهي مدح العطار للرسول عند هذا الحد ، وتضع عنوانا جديدا للأبيات التالية وهو : شفاعة الرسول . .