الجلال يسمع صوت نعلي بلال ، وعلى الرغم من أن موسى ملك وسلطان ، فما سلك الطريق هناك وفي قدميه النعلان ، فانظر أي عناية حظى به تابعه في بلاط الحق وذلك إكراما له ، حيث جعل تابعه خليقا بمحرابه ، وسمح له بسلوك الطريق إليه مرتديا نعليه . فما أن رأى موسى العمراني تلك المنزلة ، وما لتابعه من قربة ، حتى قال : إلهي : لتجعلني من أمته ، واجعلني تابعا لهمته ، ومع أن موسى أراد ذلك على الدوام ، فقد أدرك عيسى سمو هذا المقام ، فلا جرم أنه عندما يترك الخلوة ، سيدعو الخلق لاتباع دينه ، ويهبط من السماء الرابعة إلى الأرض ، واضعا جبهته على ترابه ، وروحه تحت إمرته ، وهكذا أصبح المسيح تابعه ، لذا أسماه الحق باسم المبشر . « 1 »
وإن كان لإنسان أن يتكلم فهو أنت ، وإن تقل كيف رحلت عن هذه الدنيا ؛ وكيف عدت ، لحللت مشكلاتنا واحدة واحدة ، وما بقي في قلوبنا أدنى ريبة ، فما رجع شخص قط من البادين والخافين سوى محمد عليه السلام في كلا العالمين ، وما توصل هو إلى إدراكه هناك بالاطلاع والرؤية ، متى سمح لإنسان أن يدركه ؟ فهو السلطان والكل أتباعه ، وهو على الدوام الملك ، والكل خيله وحشمه ، وحينما جاء القسم « لعمرك » تاجا يعلو مفرقه « 2 » ، سارع الخلق بالمثول أمام بابه ، وما أن امتلأت الدنيا برائحة شعره المسكية ، حتى أصبح البحر من العطش صادى الشفة ، ومن ذا الذي لا يتعطش لرؤيته ، وقد شغفت به الحجارة والخشب ؟ وما أن صعدت روح بحر النور ، حتى ترددت أنات الحنانة « 3 »
هامش
( 1 ) إشارة إلى قوله تعالى على لسان عيسى« وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ »، الصف آية 60 .
( 2 ) إشارة إلى قوله تعالى :« لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ »الحجر ، آية 72 .
( 3 ) الحنانة ، اسم العمود الذي كان يرتكز الرسول عليه وهو يخطب في مسجده . وقد بكاه هذا العمود عندما فارق الحياة ، ولذا عرف باسم « الحنانة » أي الباكي :
( نقلا عن تعليقات نسخة منطق الطير طبع تهران 1347 ش ، ص : 324 ) . .