تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق الطير — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
نوره مائة بحر من نور ، ومن أجله خلق الروح الطاهرة ومن أجله خلق الدنيا ، ولم يكن لخلقه من مقصود سواه ، ولا وجود لمن هو أطهر ذيلا منه ، وأول ما بدا من عالم الغيب ، كان نوره الطاهر بلا أدنى ريب ، وبعد ذلك أصبح نوره خير علم ، فبدا من بعده العرش والكرسي واللوح والقلم ، فالعالم ما هو إلا علم من نوره الطاهر ، وآدم وذريته ما هم إلا علم آخر منه ، ولكن ما أن بدا نور اللّه الأعظم ؛ حتى خر ساجدا أمام الخالق وقضى القرون ساجدا ، ووقف سنوات وأعمارا راكعا ، فكان مشغولا طوال سنوات بالقيام ، حيث قضى عمره كله في الصلاة والتشهد بالتمام ، ومن الصلاة وضح نور تلك البحار الزاخرة بالأسرار ، فكان فرض الصلاة على جميع البشر . هذا النور جعله الحق بمثابة الشمس والقمر ، بل جعله بلا قرين إلى الأبد ، وفجأة فتح أمام بحر الحقيقة طريقا ظاهرا إلى ذلك النور ، فما أن رأى بحر الأسرار ذلك النور ، حتى هاج تيها ودلالا . ومن شدة الطلب دار حول نفسه سبع دورات ، فظهرت الأفلاك السبعة الدوارة ، وتحولت كل نظرة صوبت إليه من الحق ، إلى كوكب بدا في الأفق ساطعا ، بعد ذلك استقر ذلك النور الطاهر ، حيث أصبح العرش العالي ، واتخذ اسم الكرسي . ثم طلب العرش والكرسي أن يكونا صورة لذاته ، ثم ظهرت جميع الملائكة من صفاته . ومن أنفاسه ظهرت الأنوار ، كما وضحت الأسرار في قلبه المفعم بالأفكار ، وسر الروح من عالم فكره وكفى ، إذ نفخ اللّه تعالى فيه نفخة من روحه « 1 » ، وعندما اجتمعت تلك الأنفاس بتلك الأسرار ، انبثقت
هامش
( 1 ) وذلك إشارة إلى قوله تعالى :« الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ، وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ ، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ »( السجدة ، آية : 7 - 9 ) . .