تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق الطير — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤

رابعا : وادي الاستغناء :

وفيه يجب على السالك أن يتخلىّ عن كل شيء في الدنيا ، فكل ما فيها تافه لا قيمة له ، فما هذه البحار الشاسعة إلا بركة صغيرة ، وما الأفلاك والأنجم إلا كورقة شجرة ، كما يجب على السالك ألا يطمع في شيء مطلقا ؟ فما العالمان إلا كذرة رمل تافهة . وإذا ما أضاء برق الاستغناء فإن لهيبه يحرق مائة عالم في لحظة واحدة ، وعلى السالك أن يتخلى عن روحه في هذا الوادي ، وأن يقطع كل صلة له بقلبه لأن من يسلك هذا الوادي بالروح والقلب يكون أكثر شركا من المشركين أنفسهم .

خامسا : وادي التوحيد :

وهو منزل التجريد والتفريد ، وفيه يرى السالك الكثرة قلة حتى يصل الكل إلى أن يكون واحدا ، ولا أهمية للأزل ولا للأبد في هذا الوادي ، ومن لم يفن من السالكين في الوحدة والاتحاد فهو غير جدير بالإنسانية ، وعندما يصل السالك إلى مجال التوحيد ، فإنه لا يشعر بالمكان ولا بنفسه ، ويصبح الجزء كلا ، بل ويتلاشى الكل والجزء وتتلاشى فيه الأعضاء والروح ويصبح العقل عديم القيمة في هذا الوادي ، وفي هذا الوادي تختلط الصورة بالصفة . وما أن يصل السالك إلى حد التوحيد والتفريد ، فإنه يصل إلى حد الاضطراب وعدم القدرة على أن يفرق بين نفسه وبين ربه لأن هذا الوادي فيه تتلاشى الثنائية ولا بقاء إلا للوحدانية .
منطق الطير — صفحة 104 | فريد الدين العطار النيسابوري / جمعة