خامسا - الفناء وصوره في منطق الطير
الفناء الصوفي هو الحال التي تتوارى فيها آثار الإرادة والشخصية والشعور بالذات وكل ما سوى الحق . فيصبح الصوفي وهو لا يرى في الوجود غير الحق ولا يشعر بشيء في الوجود سوى الحق وفعله وإرادته . « 1 »
ولا تشير كلمة « الفناء » إلى ناحية واحدة من التجربة الصوفية هي الناحية السلبية ، ولكن لها ناحية إيجابية هي التي عبر عنها الصوفية بكلمة « البقاء » لأن الفناء عن شيء يقتضي البقاء بشيء آخر .
فالفناء عن المعاصي يقتضي البقاء بالطاعات ، والفناء عن الصفات البشرية يقتضي البقاء بصفات الألوهية ، والفناء عما سوى اللّه يقتضي البقاء باللّه وهكذا . . « 2 »
وليس المقصود بالفناء ذلك المعنى الشائع ، وهو الفناء بالموت بل المقصود أن يفنى الصوفي عن الأخلاق الذميمة ويبقى بالأخلاق الحميدة ، ويفنى عن صفاته من علم وقدرة وإرادة ويبقى بصفات اللّه الذي له وحده العلم والقدرة والإرادة ، وأخيرا يفنى عن نفسه وعن العالم حوله ويبقى باللّه ، بمعنى أنه لا يشهد في الوجود إلا اللّه « 3 » .
وبهذا ينبغي أن يفسر ما يقول الصوفية في الفناء : إنه ليس بموت لأن الذي يعدونه فانيا يعيش على هذه الأرض ، وليس هو حلول اللّه في
هامش
( 1 ) التصوف : الثورة الروحية في الاسلام : الدكتور أبو العلا عفيفي ص : 179
( 2 ) نفس المرجع السابق ص : 180
( 3 ) نفس المرجع السابق ص : 199