وَقَدْ قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ : كَيْفَ يُكَلِّمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كُلُّهُمْ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ ؟ قَالَ : كَمَا يَرْزُقُهُمْ كُلَّهُمْ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ .
وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي الدُّنْيَا يَسْمَعُ دُعَاءَ الدَّاعِينَ وَيُجِيبُ السَّائِلِينَ مَعَ اخْتِلَافِ اللُّغَاتِ وَفُنُونِ الْحَاجَاتِ وَالْوَاحِدُ مِنَّا قَدْ يَكُونُ لَهُ قُوَّةُ سَمْعٍ يَسْمَعُ كَلَامَ عَدَدٍ كَثِيرٍ مِن المُتَكَلِّمِينَ كَمَا أَنَّ بَعْضَ الْمُقْرِئِينَ يَسْمَعُ قِرَاءَةً عِدَّةً ؛ لَكِنْ لَا يَكُونُ إلَّا عَدَداً قَلِيلاً قَرِيباً مِنْهُ وَيَجِدُ فِي نَفْسِهِ قُرْباً وَدُنُوّاً وَمَيْلاً إلَى بَعْضِ النَّاسِ الْحَاضِرِينَ وَالْغَائِبِينَ دُونَ بَعْضٍ وَيَجِدُ تَفَاوُتَ ذَلِكَ الدُّنُوِّ وَالْقُرْبِ .
وَ " الرَّبُّ تَعَالَى " وَاسِعٌ عَلِيمٌ وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتِ كُلَّهَا وَعَطَاؤُهُ الْحَاجَاتِ كُلَّهَا .
وَمِن النَّاسِ مَنْ غَلِطَ فَظَنَّ أَنَّ قُرْبَهُ مَنْ جِنْسِ حَرَكَةِ بَدَنِ الْإِنْسَانِ : إذَا مَالَ إلَى جِهَةٍ انْصَرَفَ عَنْ الْأُخْرَى وَهُوَ يَجِدُ عَمَلَ رُوحِهِ يُخَالِفُ عَمَلَ بَدَنِهِ ؛ فَيَجِدُ نَفْسَهُ تَقْرُبُ مِنْ نُفُوسِ كَثِيرِينَ مِن النَّاسِ ؛ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْصَرِفَ قُرْبُهَا إلَى هَذَا عَنْ قُرْبِهَا إلَى هَذَا .
وَ " بِالْجُمْلَةِ " فَقُرْبُ الرَّبِّ مِنْ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ وَقُرْبُ قُلُوبِهِمْ مِنْهُ : أَمْرٌ مَعْرُوفٌ لَا يُجْهَلُ ؛ فَإِنَّ الْقُلُوبَ تَصْعَدُ إلَيْهِ عَلَى قَدْرِ مَا فِيهَا مِن الإِيمَانِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالذِّكْرِ وَالْخَشْيَةِ وَالتَّوَكُّلِ .
وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ ؛ بِخِلَافِ الْقُرْبِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 133
مساهمون: ابن تيمية
ص١٣٣