تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الفتاوى — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
وَالثَّانِي : كَقُرْبِ الْإِنْسَانِ إلَى مَنْ يَتَقَرَّبُ هُوَ إلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي هَذَا الْأَثَرِ " الْإِلَهِيِّ " . فَتَقَرُّبُ الْعَبْدِ إلَى اللَّهِ وَتَقْرِيبُهُ لَهُ نَطَقَتْ بِهِ نُصُوصٌ مُتَعَدِّدَةٌ مِثْلُ قَوْلِهِ : { أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ } وَنَحْوُ ذَلِكَ فَهَذَا قُرْبُ الرَّبِّ نَفْسِهِ إلَى عَبِيدِهِ وَهُوَ مِثْلُ نُزُولِهِ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا . وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَدْنُو عَشِيَّةَ عَرَفَةَ وَيُبَاهِي الْمَلَائِكَةَ بِأَهْلِ عَرَفَةَ } فَهَذَا الْقُرْبُ كُلُّهُ خَاصٌّ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ دُونَ بَعْضٍ وَلَيْسَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ - قَطُّ - قُرْبُ ذَاتِهِ مِنْ جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ فِي كُلِّ حَالٍ ؛ فَعُلِمَ بِذَلِكَ بُطْلَانُ قَوْلِ الْحُلُولِيَّةِ ؛ فَإِنَّهُمْ عَمَدُوا إلَى الْخَاصِّ الْمُقَيَّدِ فَجَعَلُوهُ عَامّاً مُطْلَقاً ؛ كَمَا جَعَلَ إخْوَانُهُمْ الِاتِّحَادِيَّةُ ذَلِكَ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ : { كُنْت سَمْعَهُ } وَقَوْلِهِ { فَيَأْتِيهِمْ فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ } وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ : { سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ } وَكُلُّ هَذِهِ النُّصُوصِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ . فَإِذَا تَبَيَّنَ ذَلِكَ ؛ فَالدَّاعِي وَالسَّاجِدُ يُوَجِّهُ رُوحَهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ؛ وَالرُّوحُ لَهَا عُرُوجٌ يُنَاسِبُهَا . فتقرب إلَى اللَّهِ بِلَا رَيْبٍ بِحَسَبِ تَخَلُّصِهَا مِن الشَّوَائِبِ فَيَكُونُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهَا قَرِيباً قُرْباً يَلْزَمُ مِنْ تَقَرُّبِهَا ؛ وَيَكُونُ مِنْهُ قُرْبٌ آخَرُ ؛ كَقُرْبِهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ وَفِي جَوْفِ اللَّيْلِ وَإِلَى مَنْ تَقَرَّبَ مِنْهُ شِبْراً تَقَرَّبَ مِنْهُ ذِرَاعاً . وَالنَّاسُ فِي آخِرِ اللَّيْلِ يَكُونُ فِي قُلُوبِهِمْ مِن التَّوَجُّهِ وَالتَّقَرُّبِ وَالرِّقَّةِ مَا لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِ