عَلَيْهِ اللَّفْظُ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ بِالْمُطَابَقَةِ وَالِالْتِزَامِ ؛ فَلَيْسَ اللَّفْظُ مُسْتَعْمَلاً فِي اللَّازِمِ فَقَطْ بَلْ أُرِيدَ بِهِ مَدْلُولُهُ الْمَلْزُومُ وَذَلِكَ حَقِيقَةً .
وَأَمَّا " الْقُرْبُ " فَذَكَرَهُ تَارَةً بِصِيغَةِ الْمُفْرَدِ كَقَوْلِهِ : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ } وَفِي الْحَدِيثِ : { أَرْبِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ } إلَى أَنْ قَالَ { إنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ } .
وَتَارَةً بِصِيغَةِ الْجَمْعِ كَقَوْلِهِ : { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ : { نَتْلُوا عَلَيْكَ } و { نَقُصُّ عَلَيْكَ } و { عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ } وَ { عَلَيْنَا بَيَانَهُ } فَالْقِرَاءَةُ هُنَا حِينَ يَسْمَعُهُ مِنْ جِبْرِيلَ وَالْبَيَانُ هُنَا بَيَانُهُ لِمَنْ يَبْلُغُهُ الْقُرْآنُ .
وَمَذْهَبُ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَخَلَفِهَا : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ الْقُرْآنَ مِنْ جِبْرِيلَ وَجِبْرِيلُ سَمِعَهُ مِن اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَمَّا قَوْلُهُ : نَتَلُوا وَنَقُصُّ وَنَحْوُهُ ؛ فَهَذِهِ الصِّيغَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ لِلْوَاحِدِ الْعَظِيمِ ؛ الَّذِي لَهُ أَعْوَانٌ يُطِيعُونَهُ فَإِذَا فَعَلَ أَعْوَانُهُ فِعْلاً بِأَمْرِهِ قَالَ : نَحْنُ فَعَلْنَا .
كَمَا يَقُولُ الْمَلِكُ : نَحْنُ فَتَحْنَا هَذَا الْبَلَدَ .
وَهُوَ مِنَّا هَذَا الْجَيْشُ وَنَحْوُ ذَلِكَ .
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ تَعَالَى : { اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ } فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ يَتَوَفَّاهَا بِرُسُلِهِ الَّذِينَ مُقَدِّمُهُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ كَمَا قَالَ { تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا } { قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ } وَكَذَلِكَ ذَوَاتُ الْمَلَائِكَةِ تَقْرُبُ مِن المُحْتَضَرِ .
وَقَوْلُهُ : { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } .
مجموعة الفتاوى — صفحة 128
مساهمون: ابن تيمية
ص١٢٨