وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ } فَهُوَ مَعَ الْمُسَافِرِ فِي سَفَرِهِ وَمَعَ أَهْلِهِ فِي وَطَنِهِ ؛ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنْ تَكُونَ ذَاتُهُ مُخْتَلِطَةً بِذَوَاتِهِمْ كَمَا قَالَ : { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ } أَيْ عَلَى الْإِيمَانِ .
لَا أَنَّ ذَاتَه فِي ذَاتِهِمْ ؛ بَلْ هُمْ مُصَاحِبُونَ لَهُ .
وَقَوْلُهُ : { فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ } يَدُلُّ عَلَى مُوَافَقَتِهِمْ فِي الْإِيمَانِ وَمُوَالَاتِهِمْ ؛ فَاَللَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِعِبَادِهِ وَهُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا وَعِلْمُهُ بِهِمْ مِنْ لَوَازِمِ الْمَعِيَّةِ ؛ كَمَا قَالَتْ الْمَرْأَةُ : زَوْجِي طَوِيلُ النِّجَادِ ؛ عَظِيمُ الرَّمَادِ ؛ قَرِيبُ الْبَيْتِ مِن الناد ! !
فَهَذَا كُلُّهُ حَقِيقَةٌ وَمَقْصُودُهَا : أَنْ تَعْرِفَ لَوَازِمَ ذَلِكَ وَهُوَ طُولُ الْقَامَةِ وَالْكَرْمُ بِكَثْرَةِ الطَّعَامِ ؛ وَقُرْبُ الْبَيْتِ مِنْ مَوْضِعِ الْأَضْيَافِ .
وَفِي الْقُرْآنِ : { أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ } فَإِنَّهُ يُرَادُ بِرُؤْيَتِهِ وَسَمْعِهِ إثْبَاتُ عِلْمِهِ بِذَلِكَ وَأَنَّهُ يَعْلَمُ هَلْ ذَلِكَ خَيْرٌ أَوْ شَرٌّ ؟ فَيُثِيبُ عَلَى الْحَسَنَاتِ وَيُعَاقِبُ عَلَى السَّيِّئَاتِ .
وَكَذَلِكَ إثْبَاتُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْخَلْقِ ؛ كَقَوْلِهِ : { وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ } وَقَوْلُهُ : { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ } وَالْمُرَادُ التَّخْوِيفُ بِتَوَابِعِ السَّيِّئَاتِ وَلَوَازِمِهَا : مِن العُقُوبَةِ وَالِانْتِقَامِ .
وَهَكَذَا كَثِيرٌ مِمَّا يَصِفُ الرَّبُّ نَفْسَهُ بِالْعِلْمِ بِأَعْمَالِ الْعِبَادِ ؛ تَحْذِيراً وَتَخْوِيفاً وَرَغْبَةً لِلنُّفُوسِ فِي الْخَيْرِ .
وَيَصِفُ نَفْسَهُ بِالْقُدْرَةِ وَالسَّمْعِ وَالرُّؤْيَةِ وَالْكِتَابِ فَمَدْلُولُ اللَّفْظِ مُرَادٌ مِنْهُ وَقَدْ أُرِيدَ أَيْضاً لَازِمَ ذَلِكَ الْمَعْنَى .
فَقَدْ أُرِيدَ مَا يَدُلُّ
مجموعة الفتاوى — صفحة 127
مساهمون: ابن تيمية
ص١٢٧