وَكَذَلِكَ ذَكَرَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ : أَنَّ جَمَاعَةً أَنْكَرُوا عَلَى أَبِي طَالِبٍ بَعْضَ كَلَامِهِ فِي الصِّفَاتِ .
وَهَذَا " الصِّنْفُ الثَّالِثُ " وَإِنْ كَانَ أَقْرَبَ إلَى التَّمَسُّكِ بِالنُّصُوصِ وَأَبْعَدَ عَنْ مُخَالَفَتِهَا مِن الصِّنْفَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ ؛ فَإِنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَتَّبِعْ شَيْئاً مِن النُّصُوصِ ؛ بَلْ خَالَفَهَا كُلَّهَا .
و " الثَّانِي " تَرَكَ النُّصُوصَ الْكَثِيرَةَ الْمَحْكَمَةَ الْمُبَيِّنَة وَتَعَلَّقَ بِنُصُوصِ قَلِيلَةٍ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ مَعَانِيهَا .
وَأَمَّا هَذَا الصِّنْفُ فَيَقُولُ : أَنَا اتَّبَعْت النُّصُوصَ كُلَّهَا ؛ لَكِنَّهُ غَالَطَ أَيْضاً ؛ فَكُلُّ مَنْ قَالَ : إنَّ اللَّهَ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ؛ وَإِجْمَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِمَا فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ عِبَادَهُ ؛ وَلِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ وَلِلْأَدِلَّةِ الْكَثِيرَةِ .
وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ أَقْوَالاً مُتَنَاقِضَةً .
يَقُولُونَ : إنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ .
وَيَقُولُونَ : نَصِيبُ الْعَرْشِ مِنْهُ كَنَصِيبِ قَلْبِ الْعَارِفِ ؛ كَمَا يَذْكُرُ مِثْلَ ذَلِكَ أَبُو طَالِبٍ وَغَيْرُهُ وَمَعْلُومٌ أَنَّ قَلْبَ الْعَارِفِ نُصِيبُهُ مِنْهُ الْمَعْرِفَةُ وَالْإِيمَانُ ؛ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ .
فَإِنْ قَالُوا : إنَّ الْعَرْشَ كَذَلِكَ نَقَضُوا قَوْلَهُمْ : إنَّهُ نَفْسُهُ فَوْقَ الْعَرْشِ .
وَإِنْ قَالُوا بِحُلُولِهِ بِذَاتِهِ فِي قُلُوبِ الْعَارِفِينَ ؛ كَانَ ذَلِكَ قَوْلاً بِالْحُلُولِ الْخَاصِّ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 125
مساهمون: ابن تيمية
ص١٢٥