يصبر هؤلاء على النار وآلامها . وليس المراد به الصبر المحمود ، ولكنه الإمساك عن
إظهار الشكوى ، وعن الاستغاثة فالنار مسكن لهم ( وإن يستعتبوا فما هم من
المعتبين ) أي : وإن يطلبوا العتبى ، وسألوا الله تعالى أن يرضى عنهم ، فليس لهم
طريق إلى الإعتاب ، فما هم ممن يقبل عذرهم ، ويرضى عنهم ، وتقدير الآية : إنهم
إن صبروا وسكتوا ، أو جزعوا ، فالنار مأواهم ، كما قال سبحانه : ( اصلوها فاصبروا
أو لا تصبروا سواء عليكم ) . والمعتب هو الذي يقبل عتابه ، ويجاب إلى ما سأل .
وقيل : معناه وإن يستغيثوا فما هم من المغاثين . ( وقيضنا لهم قرناء ) أي : هيأنا لهم
قرناء من الشياطين ، عن مقاتل ، ومعناه : بدلناهم قرناء سوء من الجن والإنس ،
مكان قرناء الصدق الذين أمروا بمقارنتهم ، فلم يفعلوا . بين الله سبحانه أنه إنما فعل
ذلك عقوبة لهم على مخالفتهم ، ونظيره : ( ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له
شيطانا فهو له قرين ) . وقيل : معناه خلينا بينهم وبين قرناء السوء بما استوجبوه من
الخذلان ، عن الحسن .
( فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم ) أي : زينوا لهم ما بين أيديهم من أمر
الدنيا حتى آثروه ، وعملوا له . وما خلفهم من أمر الآخرة بدعائهم إلى أنه لا بعث ،
ولا جزاء ، عن الحسن والسدي . وقيل : فزينوا لهم ما بين أيديهم من أمر الآخرة ،
فقالوا : لا جنة ، ولا نار ، ولا بعث ، ولا حساب . وما خلفهم من أمر الدنيا من
جمع الأموال ، وترك النفقة في وجوه البر ، عن الفراء . وقيل : ما بين أيديهم : ما
قدموه من أفعالهم السيئة حتى ارتكبوها ، وما خلفهم : ما سنوه لغيرهم ممن يأتي
بعدهم . ( وحق عليهم القول ) أي : وجب عليهم الوعيد والعذاب ( في أمم قد
خلت من قبلهم من الجن والإنس ) أي : صاروا في أمم أمثالهم كذبوا لتكذيبهم ، قد
مضوا قبلهم ، وجب عليهم العذاب بعصيانهم . ثم قال سبحانه : ( إنهم كانوا
خاسرين ) خسروا الجنة ونعيمها . * ( وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون [ 26 ] *
فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون [ 27 ] *
ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون
[ 28 ] * وقال
الذين كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت
تفسير مجمع البيان — صفحة 18
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص١٨