( تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ) أي : تأخذهم قشعريرة خوفا مما في
القرآن من الوعيد ( ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ) إذا سمعوا ما فيه من الوعد
بالثواب والرحمة . والمعنى : إن قلوبهم تطمئن وتسكن إلى ذكر الله الجنة والثواب .
فحذف مفعول الذكر للعلم به . وروي عن العباس بن عبد المطلب أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
قال : ( إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله ، تحاتت ( 1 ) عنه ذنوبه كما يتحات عن
الشجرة اليابسة ورقها ) . وقال قتادة : هذا نعت لأولياء الله ينعتهم بان تقشعر
جلودهم ، وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله . ولم ينعتهم بذهاب عقولهم ، والغشيان
عليهم ، إنما ذلك في أهل البدع ، وهو من الشيطان .
( ذلك ) يعني القرآن ( هدى الله يهدي به من يشاء ) من عباده بما نصب فيه من
الأدلة ، وهم الذين آتاهم القرآن من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن الجبائي . وقيل : يهدي به
من يشاء من الذين اهتدوا به ، إنما خصهم بذلك لأنهم المنتفعون بالهداية ، ومن لم
يهتد لا يوصف بأنه هداه الله ، إذ ليس معه هداية . ( ومن يضلل الله ) عن طريق
الجنة ( فما له من هاد ) أي : لا يقدر على هدايته أحد عن الجبائي . وقيل : معناه
من ضل عن الله ورحمته ، فلا هادي له . يقال : أضللت بعيري : إذا ضل ، عن أبي
مسلم . وقيل : معناه من يضلله عن زيادة الهدى والألطاف ، لأن الكافر لا لطف له .
( أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة ) تقديره أفحال من يدفع عذاب الله
بوجهه يوم القيامة ، كحال من يأتي آمنا لا تمسه النار ؟ وإنما قال ( بوجهه ) لأن الوجه
أعز أعضاء الانسان وقيل : معناه أمن يلقى في النار منكوسا . فأول عضو منه مسته
النار وجهه ، عن عطاء . ومعنى يتقي يتوقى ، كما قال عنترة :
( إذ يتقون بي الأسنة ، لم أخم عنها ، ولكني تضايق مقدمي ( 2 )
أي : يقدمونني إلى القتال ، فيتوقون بي حرها . ثم أخبر سبحانه عما يقوله
خزنة النار للكفار بقوله : ( وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون ) أي : جزاء ما
هامش
( 1 ) أي : تتساقط .
( 2 ) هذا بيت من معلقته المعروفة . والخيم : الجبن . يقول : حين جعلني أصحابي حاجزا بينهم
وبين أسنة أعدائهم أي : قدموني لم أجبن عن أسنتهم ، ولم أتأخر ، ولكن قد تضايق موضع
اقدامي ، فتعذر التقدم ، فتأخرت لذلك . ويروى ( ولو أني تضايق مقدمي ) والمعنى : فلم
أتأخر ، ولو كان المسافة بيني وبينهم ضيقا .