القدرة في استثارة الموتى من القبور ، سهل على الله تعالى ، كزقية زقاها طائر . فهذا
كقوله تعالى : ( ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة ) .
وأما من قرأ ( يا حسره على العباد ) بسكون الهاء ، فيمكن أن يكون حسرة غيره
معلقة بعلى ، فيحسن الوقف عليها . ثم يعلق على بمضمر يدل عليه قوله حسرة ،
فكأنه قال : أتحسر على العباد ، ومثل ذلك كثير في التنزيل . وإذا كان حسرة معلقة
بعلى ، أو موصوفة ، فلا يحسن الوقف عليها دونه . وعلى هذا فيمكن أن يكون ذلك
لتقوية المعنى في النفس ، وذلك أنه موضع تنبيه وتذكير ، فطال الوقف على الهاء ،
كما يفعله المستعظم للأمر ، المتعجب منه ، الدال على أنه قد بهره ، وملك عليه
لفظه ، وخاطره . ثم قال من بعد على العباد .
وأما من قرأ ( يا حسرة العباد ) مضافا ، فإن فيه وجهين أحدهما : أن يكون
العباد فاعلين في المعنى ، كقوله : يا قيام زيد ، والمعنى : كان العباد إذا شاهدوا
العذاب تحسروا والآخر : إن العباد مفعولون في المعنى ، وتدل عليه القراءة الظاهرة
( يا حسرة على العباد ) أي : يتحسر عليهم من يعنيه أمرهم ، وهذا واضح . وفتح أبو
عمرو الياء من قوله : ( وما لي لا أعبد ) لئلا يكون الابتداء بلا أعبد . وقرأ في
النمل : ( ما لي لا أرى الهدهد ) بسكون الياء .
المعنى : ثم ذكر سبحانه تمام الحكاية عن الرجل الذي جاءهم من أقصى
المدينة ، فقال . ( اتبعوا من لا يسألكم أجرا ) أي : وقال لهم اتبعوا معاشر الكفار
من لا يطلبون منكم الأجر ، ولا يسألونكم أموالكم ، على ما جاؤوكم به من الهدى
( وهم ) مع ذلك ( مهتدون ) إلى طريق الحق ، سالكون سبيله . قال : فلما قال هذا
أخذوه ورفعوه إلى الملك ، فقال له الملك : أفأنت تتبعهم ، فقال : ( وما لي لا أعبد
الذي فطرني ) أي : وأي شئ لي إذا لم أعبد خالقي الذي أنشأني ، وأنعم علي ،
وهداني ( وإليه ترجعون ) أي : تردون عند البعث ، فيجزيكم بكفركم .
ثم أنكر اتخاذ الأصنام وعبادتهم ، فقال : ( أأتخذ من دونه آلهة ) أعبدهم ( إن
يردن الرحمن بضر ) أي : إن أراد الله إهلاكي ، والإضرار بي ( لا تغن عني شفاعتهم
شيئا ) أي : لا تدفع ، ولا تمنع شفاعتهم عني شيئا ، والمعنى لا شفاعة لهم فتغني
( ولا ينقذون ) أي : ولا يخلصوني من ذلك الهلاك ، أو الضرر والمكروه ( إني إذا
لفي ضلال مبين ) أي : إني إن فعلت ذلك في عدول عن الحق واضح . والوجه في
تفسير مجمع البيان — صفحة 268
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٢٦٨