هذا الإحتجاج أن العبادة لا يستحقها إلا الله سبحانه المنعم بأصول النعم ، وبما لا
نوازيه نعمة منعم .
( إني آمنت بربكم ) الذي خلقكم وأخرجكم من العدم إلى الوجود .
( فاسمعوني ) أي : فاسمعوا قولي واقبلوه ، عن وهب . وقيل : إنه خاطب بذلك
الرسل أي : فاسمعوا ذلك مني حتى تشهدوا لي به عند الله ، عن ابن مسعود قال :
ثم إن قومه لما سمعوا ذلك القول منه ، وطؤوه بأرجلهم حتى مات ، فأدخله الله
الجنة ، وهو حي فيها يرزق ، وهو قوله ( قيل ادخل الجنة ) وقيل : رجموه حتى
قتلوه ، عن قتادة . وقيل : إن القوم لما أرادوا أن يقتلوه ، رفعه الله إليه ، فهو في
الجنة لا يموت إلا بفناء الدنيا ، وهلاك الجنة ، عن الحسن ، ومجاهد ، وقال : إن
الجنة التي دخلها يجوز هلاكها . وقيل : إنهم قتلوه إلا أن الله سبحانه أحياه ، وأدخله
الجنة ، فلما دخلها ( قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي ) تمنى أن يعلم قومه
بما أعطاه الله تعالى من المغفرة ، وجزيل الثواب ، ليرغبوا في مثله ، وليؤمنوا لينالوا
ذلك . وفي تفسير الثعلبي بالإسناد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أبيه ، عن
النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال . ( سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين : علي بن أبي
طالب عليه السلام ، وصاحب يس ، ومؤمن آل فرعون ، فهم الصديقون ، وعلي أفضلهم ) .
( وجعلني من المكرمين ) أي : من المدخلين الجنة . والإكرام هو إعطاء
المنزلة الرفيعة على وجه التبجيل والإعظام . وفي هذا دلالة على نعيم القبر ، لأنه إنما
قال ذلك وقومه أحياء ، وإذا جاز نعيم القبر جاز عذاب القبر ، فإن الخلاف فيهما
واحد . وما : في قوله ( بما غفر لي ربي ) مصدرية ، والمعنى بمغفرة الله لي .
ويجوز أن يكون معناه : بالذي غفر لي به ربي ، فيكون اسما موصولا . ويجوز أن
يكون المعنى : بأي شئ غفر لي ربي ، فيكون استفهاما ، يقال : علمت بما صنعت
هذا بإثبات الألف ، وبم صنعت هذا بحذفها ، إلا أن الحذف أجود في هذا المعنى .
ثم حكى سبحانه ما أنزله بقوله من العذاب والاستئصال ، فقال : ( وما أنزلنا
على قومه من بعده ) أي : من بعد قتله ، أو من بعد رفعه ( من جند من السماء )
يعني الملائكة أي : لم ننتصر منهم بجند من السماء ، ولم ننزل لإهلاكهم بعد قتلهم
الرسل ، جندا من السماء يقاتلونهم ( وما كنا منزلين ) أي : وما كنا ننزلهم على الأمم
إذا أهلكناهم . وقيل : معناه وما أنزلنا على قومه من بعده ، رسالة من السماء . قطع
تفسير مجمع البيان — صفحة 269
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٢٦٩