آمرا له أن يخير أزواجه فقال : ( يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا
وزيتها ) أي : سعة العيش في الدنيا ، وكثرة المال ( فتعالين أمتعكن ) أي : أعطكن
متعة الطلاق . وقد مر بيانها في سورة البقرة . وقيل : أمتعكن بتوفير المهر .
( وأسرحكن ) أي : أطلقكن ( سراحا جميلا ) والسراح الجميل : الطلاق من غير
خصومة ، ولا مشاجرة بين الزوجين . ( وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة )
أي : وإن أردتن طاعة الله ، وطاعة رسوله ، والصبر على ضيق العيش والجنة . ( فإن
الله أعد للمحسنات ) أي : العارفات المريدات الإحسان ، المطيعات له . ( منكن
أجرا عظيما ) .
واختلف في هذا التخيير فقيل : إنه خير هن بين الدنيا والآخرة ، فإن هن اخترن
الدنيا ومحبتها ، استأنف حينئذ طلاقهن بقوله : ( أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا )
عن الحسن . وقيل : خير هن بين الطلاق ، والمقام معه ، عن مجاهد ، والشعبي ،
وجماعة من المفسرين . واختلف العلماء في حكم التخيير على أقوال أحدها : إن
الرجل إذا خير امرأته فاختارت زوجها ، فلا شئ . وإن اختارت نفسها ، تقع تطليقة
واحدة ، وهو قول عمر بن الخطاب وابن مسعود ، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه
وثانيها : إنه إذا اختارت نفسها تقع ثلاث تطليقات . لان اختارت زوجها ، تقع
واحدة ، وهو قول زيد بن ثابت ، وإليه ذهب مالك وثالثها : إنه إن نوى الطلاق كان
طلاقا ، وإلا فلا ، وهو مذهب الشافعي ورابعها : إنه لا يقع بالتخيير طلاق ، وإنما
كان ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة ، ولو اخترن أنفسهن لما خيرهن ، لبن منه . فأما غيره
فلا يجوز له ذلك ، وهو المروي عن أئمتنا عليهم السلام .
ثم خاطب سبحانه نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ( يا نساء النبي من يأت منكن
بفاحشة مبينة ) أي : بمعصية ظاهرة ( يضاعف لها العذاب ) في الآخرة ( ضعفين )
أي مثلي ما يكون على غيرهن ، وذلك لأن نعم الله سبحانه عليهن أكثر ، لمكان
النبي صلى الله عليه وآله وسلم منهن ، ولنزول الوحي في بيوتهن . فإذا كانت النعمة عليهن أعظم
وأوفر ، كانت المعصية منهن أفحش ، والعقوبة بها أعظم وأكثر . وقال أبو عبيدة :
الضعفان أن يجعل الواحد ثلاثة ، فيكون عليهن ثلاثة حدود ، لأن ضعف الواحد
مثله ، وضعفي الشئ مثلاه . وقال غيره : المراد بالضعف المثل ، فالمعنى أنها يزاد
في عذابها ضعف كما زيد في ثوابها ضعف في قوله ( نؤتها أجرها مرتين ) . ( وكان
تفسير مجمع البيان — صفحة 152
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص١٥٢