القائمين في الصلاة ، عن عطا ( وأذن في الناس بالحج ) أي : ناد في الناس ،
وأعلمهم بوجوب الحج . واختلف في المخاطب به على قولين أحدهما : إنه
إبراهيم ، عن علي وابن عباس ، واختاره أبو مسلم . قال ابن عباس : قام في المقام
فنادى : يا أيها الناس ! إن الله دعاكم إلى الحج ، فأجابوا بلبيك اللهم لبيك والثاني :
إن المخاطب به نبينا محمد ، عليه أفضل الصلوات أي : وأذن يا محمد في الناس
بالحج ، فأذن ، صلوات الله عليه ، في حجة الوداع أي : أعلمهم بوجوب الحج ،
عن الحسن والجبائي . وجمهور المفسرين على القول الأول ، وقالوا : أسمع الله
تعالى صوت إبراهيم كل من سبق علمه بأنه يحج إلى يوم القيامة ، كما أسمع سليمان
مع ارتفاع منزلته ، وكثرة جنوده حوله ، صوت النملة مع خفضه وسكونه . وفي رواية
عطا عن ابن عباس قال : لما أمر الله سبحانه إبراهيم أن ينادي في الناس بالحج ،
صعد أبا قبيس ، ووضع إصبعه في أذنيه ، وقال : يا أيها الناس ! أجيبوا ربكم .
فأجابوه بالتلبية في أصلاب الرجال ، وأول من أجابه أهل اليمن .
( يأتوك رجالا ) أي : مشاة على أرجلهم ( وعلى كل ضامر ) أي : ركبانا .
قال ابن عباس : يريد الإبل ، ولا يدخل بعير ولا غيره الحرم ، إلا وقد هزل . وروى
سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال لبنيه : يا بني ! حجوا من مكة مشاة حتى ترجعوا
إليها مشاة ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ( للحاج الراكب بكل خطوة
تخطوها راحلته سبعون حسنة ، وللحاج الماشي بكل خطوة يخطوها سبعمائة حسنة من
حسنات الحرم . قيل : وما حسنات الحرم ؟ قال : الحسنة بمائة ألف حسنة ) .
( يأتين من كل فج عميق ) أي : طريق بعيد . وروي مرفوعا عن أنس بن مالك
قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إن الله تعالى يباهي بأهل عرفات الملائكة ،
يقول : يا ملائكتي ! انظروا إلى عبادي شعثا غبرا ، أقبلوا يضربون إلي من كل فج
عميق ، فأشهدكم أني قد أجبت دعاءهم ، وشفعت رغبتهم ، ووهبت مسيئهم
لمحسنهم ، وأعطيت محسنهم جميع ما سألني غير التبعات التي بينهم . فإذا أفاض
القوم إلى جمع ، ووقفوا وعادوا في الرغبة والطلب إلى الله ، يقول : يا ملائكتي !
عبادي وقفوا وعادوا في الرغبة والطلب ، فأشهدكم أني قد أجبت دعاءهم ، وشفعت
رغبتهم ، ووهبت مسيئهم لمحسنهم ، وأعطيت محسنهم جميع ما سألني ، وكفلت
عنهم بالتبعات التي بينهم .
تفسير مجمع البيان — صفحة 145
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص١٤٥