يكون فيه من الآخر ، غير أنه لا يخرج أحد من بيته ، عن ابن عباس وقتادة وسعيد بن
جبير قالوا : إن كراء دور مكة وبيعها حرام . والمراد بالمسجد الحرام على هذا ،
الحرم كله كقوله : ( أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام ) . وقيل : المراد بالمسجد
الحرام عين المسجد الذي يصلى فيه ، عن الحسن ومجاهد والجبائي . والظاهر يدل
عليه . وعلى هذا يكون المعنى في قوله ( جعلناه للناس ) أي : قبلة لصلاتهم ،
ومنسكا لحجهم . فالعاكف والباد سواء في حكم النسك . وكان المشركون يمنعون
المسلمين عن الصلاة في المسجد الحرام ، والطواف به ، ويدعون أنهم أربابه
وولاته .
( ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ) والإلحاد : العدول عن القصد . واختلف في معناه
ها هنا فقيل : هو الشرك وعبادة غير الله تعالى ، عن قتادة . فكأنه قال : ومن يرد فيه
ميلا عن الحق ، بان يعبد غير الله ، ظلما وعدوانا . وقيل : هو الاستحلال للحرام ،
والركوب للآثام ، عن ابن عباس والضحاك ومجاهد وابن زيد . وقيل : هو كل شئ
نهي عنه حتى شتم الخادم ، لأن الذنوب هناك أعظم . وقيل : هو دخول مكة بغير
إحرام ، عن عطاء ( نذقه من عذاب أليم ) أي : نعذبه عذابا وجيعا . وقيل : إن الآية
نزلت في الذين صدوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن مكة ، عام الحديبية .
( وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت ) معناه : واذكر يا محمد إذ وطأنا لإبراهيم
مكان البيت ، وعرفناه ذلك بما جعلنا له من العلامة . قال السدي : إن الله تعالى لما
أمره ببناء الكعبة ، لم يدر أين يبني ، فبعث الله ريحا خجوجا ( 1 ) ، فكنست له ما حول
الكعبة عن الأساس الأول الذي كان البيت عليه ، قبل أن رفع أيام الطوفان . وقال
الكلبي : بعث الله سبحانه على قدر البيت ، فيها رأس تتكلم ، فقامت بحيال الكعبة
وقالت : يا إبراهيم ابن علي قدري . وقيل : إن المعنى جعلنا البيت مثوبة ومسكنة ،
عن ابن الأنباري ( أن لا تشرك بي شيئا ) أي . وأوحينا إليه أن لا تعبد غيري . قال
المبرد : كأنه قال وحدني في هذا البيت ، لأن معنى لا تشرك بي شيئا : وحدني .
( وطهر بيتي ) من الشرك وعبادة الأوثان ، عن قتادة . ( للطائفين والقائمين
والركع السجود ) مفسر بسورة البقرة ، والمراد بالقائمين : المقيمين بمكة . وقيل :
هامش
( 1 ) الخجوج من الرياح : الشديدة .