الحق ) ، و ( ذلك بما قدمت يداك ) : يجوز أن يكون ( ذلك ) مبتدءا ، والجار
والمجرور في موضع الخبر . ويجوز أن يكون التقدير الأمر ذلك ، فيكون ( ذلك ) :
خبر مبتدأ محذوف .
المعنى : لما قدم سبحانه ذكر الأدلة ، عقبه بما يتصل به فقال : ( ذلك بأن الله
هو الحق ) معناه : ذلك الذي سبق ذكره من تصريف الخلق على هذه الأحوال
وإخراح النبات بسبب أن الله هو الحق أي : ليعلموا أنه الذي يحق له العبادة دون
غيره . وقيل : هو الذي يستحق صفات التعظيم ( وأنه يحيي الموتى ) لأن من قدر
على إنشاء الخلق ، فإنه يقدر على إعادته . ( وأنه على كل شئ قدير ) أما
المعدومات فيقدر على إيجادها . وأما الموجودات فيقدر على إفنائها وإعادتها . ويقدر
على جميع الأجناس ، ومن كل جنس ، على ما لا نهاية له . ( وأن الساعة آتية لا
ريب فيها ) أي : وليعلموا أن القيامة آتية لا شك فيها ( وأن الله يبعث من في القبور )
أي : يحييهم للجزاء ، لأن ما ذكرناه يدل على البعث على الوجه الذي بيناه .
( ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ) سبق تفسيره ( ولا هدى ) أي : لا
يرجع فيما يقوله إلى علم ولا دلالة ( ولا كتاب منير ) أي : مضئ له نور يؤدي من
تمسك به إلى الحق . والمعنى : أنه لا يتبع أدلة العقل ، ولا أدلة السمع ، وإنما يتبع
الهوى والتقليد . وفي هذا دلالة على أن الجدال بالعلم صواب ، وبغير العلم خطأ .
لأن الجدال بالعلم يدعو إلى اعتقاد الحق ، وبغير العلم يدعو إلى اعتقاد الباطل .
( ثاني عطفه ) أي متكبرا في نفسه ، عن ابن عباس ، يقول العرب : ثنى فلان
عطفه إذا تكبر وتجبر . وعطفا الرجل : جانباه من عن يمين أو شمال ، وهو الموضع
الذي يعطفه الانسان أي يلويه ويميله عند الإعراض عن الشئ . وقيل : معناه لاوي
عنقه إعراضا وتكبرا عن الله ورسوله ، عن قتادة ومجاهد . ( ليضل عن سبيل الله ) أي
ليضل الناس عن الدين . ومن فتح الياء أراد : ليضل هو عن طريق الحق المؤدي إلى
توحيد الله . ( له في الدنيا خزي ) أي هوان وذل وفضيحة ، بما يجري له على ألسنة
المؤمنين من الذم ، وبالقتل وغير ذلك . ( ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق ) أي :
النار التي تحرقهم ( ذلك ) أي : يقال له ذلك العذاب ( بما قدمت يداك ) أي : بما
كسبت يداك ( وأن الله ليس بظلام للعبيد ) في تعذيبه ، لأن الله لا يظلم ولا يعاقب
ابتداء ، ولا يزيد على الجزاء . وفي هذا دلالة واضحة على بطلان مذهب المجبرة
تفسير مجمع البيان — صفحة 130
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص١٣٠