يقال هؤلاء أمتنا أي : فريقنا وموافقونا على مذهبنا .
( وأنا ربكم ) الذي خلقكم ( فاعبدوني ) ولا تشركوا بي شيئا . ثم ذكر اليهود
والنصارى بالاختلاف فقال : ( وتقطعوا أمرهم بينهم ) أي : فرقوا دينهم فيما بينهم ،
يلعن بعضهم بعضا ، ويتبرأ بعضهم من بعض ، عن الكلبي وأبن زيد . والتقطع هذا
بمنزلة التقطيع . ثم قال مهددا لهم : ( كل إلينا راجعون ) أي : كل ممن أجتمع
وافترق راجع إلى حكمنا في الوقت الذي لا يقدر على الحكم سوانا ، فنجازيهم
بأعمالهم ( فمن يعمل من الصالحات ) التقدير : فمن يعمل من الصالحات شيئا ،
مثل صلة الرحم ، ومعونة الضعيف ، ونصر المظلوم ، والتنفيس عن المكروب ، وغير
ذلك من أنواع الطاعات ( وهو مؤمن ) شرط الإيمان لأن هذه الأشياء لو فعلها الكافر
لم ينتفع بها عند الله تعالى ( فلا كفران لسعيه ) أي . فلا جحود لإحسانه في عمله ،
بل يشكر ويثاب عليه .
( وإنا له كاتبون ) أي : نأمر ملائكتنا أن يكتبوا ذلك ويثبتوه ، فلا يضيع منه
شئ . وقيل : كاتبون أي : ضامنون جزاءه حتى نوفر على عاملها مجموعه . ومنه
الكتيبة : لأنه ضم رجال إلى رجال ( وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون )
اختلف في معناه على وجوه أحدها أن لا مزيدة ، والمعنى : حرام على قرية مهلكة
بالعقوبة ، أن يرجعوا إلى دار الدنيا ، عن الجبائي . وقيل : إن معناه واجب عليها أنها
إذا أهلكت لا ترجع إلى دنياها ، عن قتادة وعكرمة والكلبي . قال عطا : يريد حتم
مني ، والمراد : إن الله تعالى كتب على من أهلك أن لا يرجع إلى الدنيا قضاء منه
حتما . وفي ذلك تخويف لكفار مكة بأنهم إن عذبوا وأهلكوا ، لم يرجعوا إلى الدنيا
كغيرهم من الأمم المهلكة . وقد جاء الحرام بمعنى الواجب في شعر الخنساء :
وإن حراما لا أرى الدهر باكيا * على شجوة إلا بكيت على صخر ( 1 )
وثانيها : إن معناه حرام على قرية وجدناها هالكة بالذنوب ، أن يتقبل منهم
عمل ، لأنهم لا يرجعون إلى التوبة . وثالثها : إن معناه حرام أن لا يرجعوا بعد
الممات ، بل يرجعون أحياء للمجازاة ، عن أبي مسلم . وروى محمد بن مسلم ،
هامش
( 1 ) الشجوة : الحزن . وفي نسخة مخطوطة وكذا في اللسان ( على عمرو ) مكان ( على صخر ) ونسب
البيت في اللسان إلى عبد الرحمن المحاربي .