وهي الإبعاد من رحمة الله ، والتبعيد من جنته * ( ولهم سوء الدار ) * أي : عذاب النار ،
والخلود فيها * ( الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ) * أي يوسع الرزق على من يشاء
من عباده ، بحسب ما يعلم من المصلحة ، ويضيقه على آخرين إذا كانت المصلحة
في التضييق * ( وفرحوا بالحياة الدنيا ) * أي : فرحوا بما أوتوا من حطام الدنيا فرح
البطر ، ونسوا فناءه وبقاء أمر الآخرة وتقديره ، وفرح الذين بسط لهم في الرزق في
الحياة الدنيا * ( وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع ) * أي ليست هذه الحياة الدنيا
بالإضافة إلى الحياة الآخرة إلا قليل ذاهب ، لأن هذه فانية ، وتلك دائمة باقية ، عن
مجاهد . وقيل : انه مذكور على وجه التعجب أي . عجبا لهم أن فرحوا بالدنيا
الفانية ، وتركوا النعيم الدائم ، والدنيا في جنب الآخرة متاع لا خطر له ، ولا بقاء له ،
مثل القدح والقصعة والقدر يتمتع به زمانا ثم ينكسر ، عن ابن عباس * ( ويقول الذين
كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه ) * أي : هلا أنزل على محمد معجزة من ربه
يقترحها ، ويجوز أنهم لم يتفكروا في الآيات المنزلة ، فاعتقدوا أنه لم ينزل عليه آية ،
ولم يعتدوا بتلك الآيات ، فقالوا هذا القول جهلا منهم بها * ( قل ) * يا محمد * ( إن الله
يضل من يشاء ) * عن طريق الجنة بسوء أفعاله ، وعظم معاصيه . وقد مضى القول في
وجوه الإضلال والهدى ، فلا معنى لإعادته * ( ويهدي إليه من أناب ) * أي : رجع إليه
بالطاعة * ( الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ) معناه الذين اعترفوا بتوحيد الله على
جميع صفاته ، ونبوة نبيه ، وقبول ما جاء به من عند الله ، وتسكن قلوبهم بذكر الله ،
وتأنس إليه . والذكر : حصول المعنى للنفس ، وقد يسمى العلم ذكرا . والقول الذي
فيه المعنى الحاضر للنفس أيضا يسمى ذكرا ، وقد وصف الله المؤمن ههنا بأنه يطمئن
قلبه إلى ذكر الله ، ووصفه في موضع آخر بأنه إذا ذكر الله وجل قلبه ، لأن المراد
بالأول أنه يذكر ثوابه وأنعامه وآلاءه التي لا تحصى ، وأياديه التي لا تجازى ، فيسكن
إليه ، وبالثاني أنه ليذكر عقابه وانتقامه فيخافه ، ويوجل قلبه .
* ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) * وهذا حث للعباد على تسكين القلب إلى ما وعد
الله به من النعيم والثواب والطمأنينة إليه ، فإن وعده سبحانه صادق ، ولا شئ تطمئن
النفس إليه أبلغ من الوعد الصادق ، وهو اعتراض وقع بين الكلامين ، إذا كان قوله
* ( الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ) * في موضع رفع بالابتداء ، ويكون قوله
* ( الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) * بدلا منه وقوله * ( طوبى لهم وحسن مآب ) * جملة في
تفسير مجمع البيان — صفحة 36
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٣٦