تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مجمع البيان — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥
تكرر هذا القول في القرآن ، لأجل ما بعده مما يحتاج اتصاله به ، فهو كالمعنى الذي يفيد أمرا في مواضع كثيرة للاخبار عنه باخبار مختلفة . وقوله ( كان من الجن ) من قال : إن إبليس لم يكن من الملائكة ، استدل بهذا ، لان الجن غير الملائكة ، كما أنهم غير الانس . ومن قال : إنه كان من الملائكة ، قال : إن المعنى كان من الذين يستترون عن الابصار ، مأخوذ من الجن : وهو الستر . وقيل : كان من قبيل من الملائكة ، يقال لهم الجن ، كانوا خزان الجنان فأضيفوا إليها ، كقولك كوفي بصري . وضعف الأولون هذين الوجهين ، لان لفظ الجن إذا أطلق ، فالمفهوم منه هذا الجنس المعروف ، لا الملائكة . ( ففسق عن أمر ربه ) أي خرج عن طاعة ربه . ثم خاطب الله سبحانه المشركين ، فقال : ( أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو ) معناه : أفتتبعون أمر إبليس ، وأمر ذريته ، وتتخذونهم أولياء تتولونهم بالطاعة من دوني ، وهم جميعا أعداء لكم ! والعاقل حقيق بان يتهم عدوه على نفسه . وهذا استفهام بمعنى الانكار والتوبيخ قال مجاهد : ذريته الشياطين . وقال الحسن : الجن من ذريته ( بئس للظالمين بدلا ) تقديره : بئس البدل للظالمين بدلا ، ومعناه : بئس ما استبدلوا بعبادة ربهم إذ أطاعوا إبليس ، عن الحسن . وقيل : بئس البدل طاعة الشيطان عن طاعة الرحمن ، عن قتادة . ( وما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم ) أي ما أحضرت إبليس وذريته خلق السماوات والأرض ، ولا خلق ، أنفسهم ، مستعينا بهم على ذلك ولا استعنت ببعضهم على خلق بعض . وهذا إخبار عن كمال قدرته ، واستناده عن الأنصار والأعوان . ويدل عليه قوله ( وما كنت متخذ المضلين عضدا ) أي : الشياطين الذين يضلون الناس أعوانا يعضدونني عليه ، وكثيرا ما يستعمل العضد بمعنى العون ، وإنما وحده هنا لوفاق الفواصل . وقيل : إن معنى الآية أنكم اتبعتم الشيطان كما يتبع من يكون عنده عليم لا ينال إلا من جهته ، وانا ما أطلعتهم على خلق السماوات والأرض ، ولا على خلق ، أنفسهم ، ولم اعطهم العلم بأنه كيف تخلق الأشياء ، فمن أين تتبعونهم ؟ وقيل : معناه ما أحضرت مشركي العرب ، وهؤلاء الكفار ، خلق السماوات والأرض ، ولا خلق أنفسهم ، أي : وما أحضرت بعضهم خلق بعض ، بل لم يكونوا موجودين فخلقتهم ، فمن أين قالوا : إن الملائكة بنات الله ؟ ومن أين ادعوا ذلك ؟