تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مجمع البيان — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
أعماله ، وما كتب عليه ، حتى كأنه فعله تلك الساعة ، فلذلك قالوا : * ( يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ) * . * ( كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ) * أي : محاسبا ، وإنما جعله محاسبا لنفسه ، لأنه إذا رأى أعماله يوم القيامة كلها مكتوبة ، ورأى جزاء أعماله مكتوبا بالعدل ، لم ينقص عن ثوابه شئ ، ولم يزد على عقابه شئ ، أذعن عند ذلك وخضع ، وتضرع ، واعترف ، ولم يتهيأ له حجة ولا إنكار ، وظهر لأهل المحشر أنه لا يظلم . قال الحسن : يا ابن آدم ! لقد أنصفك من جعلك حسيب نفسك * ( من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ) * أي : من اهتدى في الدنيا إلى دين الله وطاعته ، فمنفعة اهتدائه راجعة إليه * ( ومن ضل فإنما يضل عليها ) * أي : ومن ضل عن الدين ، فضرر ضلاله راجع إلى نفسه ، وعقوبة ضلاله على نفسه * ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) * أي : لا تحمل حاملة حمل أخرى أي : ثقل ذنوب غيرها ، ولا يعاقب أحد بذنوب غيره وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أنه قال : لا تحن يمينك على شمالك ، وهذا مثل ضربه عليه السلام . وفي هذا دلالة واضحة على بطلان قول من يقول إن أطفال الكفار يعذبون مع آبائهم في النار . * ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) * معناه : وما كنا معذبين قوما بعذاب الاستئصال ، إلا بعد الإعذار إليهم ، والإنذار لهم بأبلغ الوجوه ، وهو إرسال الرسل إليهم مظاهرة في العدل ، وإن كان يجوز مؤاخذتهم على ما يتعلق بالعقل معجلا . فعلى هذا التأويل تكون الآية عامة في العقليات والشرعيات . وقال الأكثرون من المفسرين وهو الأصح : إن المراد بالآية أنه لا يعذب سبحانه في الدنيا ، ولا في الآخرة ، إلا بعد البعثة . فتكون الآية خاصة فيما يتعلق بالسمع من الشرعيات . فأما ما كانت الحجة فيه من جهة العقل ، وهو الإيمان بالله تعالى ، فإنه يجوز العقاب بتركه ، وإن لم يبعث الرسول عند من قال إن التكليف العقلي ينفك من التكليف السمعي . على أن المحققين منهم يقولون : إنه وإن جاز التعذيب عليه قبل بعثة الرسول ، فإنه سبحانه لا يفعل ذلك مبالغة في الكرم والفضل والإحسان والطول ، فقد حصل من هذا أنه سبحانه لا يعاقب أحدا حتى ينفذ إليهم الرسل المنبهين إلى الحق ، الهادين إلى الرشد ، استظهارا في الحجة ، لأنه إذا اجتمع داعي العقل ، وداعي السمع ، تأكد الأمر ، وزال الريب ، فيما يلزم العبد ، وقد أخبر سبحانه في هذه الآية عن