تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مجمع البيان — صفحة 49

مساهمون:

ص٤٩
الله إياها ، وخلقه لها ، ودلالتها على أن لها صانعا . وقيل : إنما مثلت الأمم من غير الناس بالناس ، في الحاجة إلى مدبر يدبرهم ، في أغذيتهم ، وأكلهم ولباسهم ، ونومهم ، ويقظتهم ، وهدايتهم إلى مراشدهم ، إلى ما لا يحصى كثرة من أحوالهم ، ومصالحهم ، وأنهم يموتون ، ويحشرون . وبين بهذه الآية أنه لا يجوز للعباد أن يتعدوا في ظلم شئ منها ، فإن الله خالقها وا المنتصف لها . ( ما فرطنا في الكتاب من شئ ) أي : ما تركنا . وقيل : معناه ما قصرنا واختلف في معنى الكتاب على أقوال أحدها : إنه يريد بالكتاب القرآن ، لأنه ذكر جميع ما يحتاج إليه من أمور الدين والدنيا ، إما مجملا ، وإما مفصلا . والمجمل قد بينه على لسان نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ، وأمرنا باتباعه في قوله : ( ما آتاكم الرسول فخذوه ، وما نهاكم عنه فانتهوا ) . وهذا مثل قوله تعالى : ( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ ) . ويروى عن عبد الله بن مسعود أنه قال : ( مالي لا ألعن من لعنه الله في كتابه ، يعني الواشمة والمستوشمة ، والواصلة والمستوصلة - فقرأت المرأة التي سمعت ذلك منه جميع القرآن ، ثم أتته وقالت : يا ابن أم عبد ! تلوت البارحة ما بين الدفتين ، فلم أجد فيه لعن الواشمة ! فقال : لو تلوتيه لوجدتيه قال الله تعالى ( ما اتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) وإن مما أتانا رسول الله أن قال : ( لعن الله الواشمة والمستوشمة ) . وهو قول ، أكثر المفسرين ، وهذا القول اختيار البلخي . وثانيها : إن المراد بالكتاب ههنا الكتاب الذي هو عند الله ، عز وجل ، المشتمل على ما كان ويكون ، وهو اللوح المحفوظ ، وفيه آجال الحيوان ، وأرزاقه ، وآثاره ، ليعلم ابن آدم أن عمله أولى بالإحصاء والاستقصاء ، عن الحسن . وثالثها : إن المراد بالكتاب الأجل أي : ما تركنا شيئا إلا وقد أوحينا له أجلا ، ثم يحشرون جميعا ، عن أبي مسلم وهذا الوجه بعيد . ( ثم إلى ربهم يحشرون ) معناه : يحشرون إلى الله بعد موتهم يوم القيامة ، كما يحشر العباد ، فيعوض الله تعالى ما يستحق العوض منها ، وينتصف لبعضها من بعض ، وفيما رووه عن أبي هريرة أنه قال : يحشر الله الخلق يوم القيامة : البهائم والدواب والطير ، وكل شئ ، فيبلغ من عدل الله يومئذ أن يأخذ للجماء ( 1 ) من
هامش
( 1 ) الجماء : التي لا قرن لها .