تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مجمع البيان — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
سبحانه لا يشاء منهم أن يؤمنوا مختارين ، أو لا يشاء أن يفعل ما يؤمنون عنده مختارين ، وإنما نفى المشيئة لما يلجئهم إلى الإيمان ، ليتبين أن الكفار لم يغلبوه بكفرهم ، فإنه لو أراد أن يحول بينهم وبين الكفر لفعل ، لكنه يريد أن يكون إيمانهم على الوجه الذي يستحق به الثواب ، ولا ينافي التكليف . ( فلا تكونن من الجاهلين ) قيل : معناه فلا تجزع في مواطن الصبر فيقارب حالك حال الجاهلين بأن تسلك سبيلهم ، عن الجبائي . إن هذا نفي للجهل عنه ، أي : لا تكن جاهلا بعد أن أتاك العلم بأحوالهم ، وأنهم لا يؤمنون . والمراد : فلا تجزع ، ولا تتحسر لكفرهم وإعراضهم عن الإيمان ، وغلظ الخطاب تبعيدا وزجرا عن هذه الحال . ثم بين سبحانه الوجه الذي لأجله لا يجتمع هؤلاء الكفار على الايمان فقال : ( إنما يستجيب الذين يسمعون ) ومعناه : إنما يستجيب إلى الإيمان بالله وما أنزل إليك من يسمع كلامك ، ويصغي إليك ، وإلى ما تقرأه عليه من القرآن ، ويتفكر في آياتك ، فإن من لم يتفكر ولم يستدل بالآيات ، بمنزلة من لم يسمع كما قيل : لقد أسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي وقال الآخر ( أصم عما ساءه سميع ) ( والموتى يبعثهم الله ) يريد : إن الذين لا يصغون إليك من هؤلاء الكفار ، ولا يتدبرون فيما تقرأه عليهم ، وتبينه لهم من الآيات والحجج ، بمنزلة الموتى ، فكما أيست أن تسمع الموتى كلامك إلى أن يبعثهم الله ، فكذلك فآيس من هؤلاء أن يستجيبوا لك ، وتقديره : إنما يستجيب المؤمن السامع للحق ، فأما الكافر فهو بمنزلة الميت ، فلا يجيب إلى أن يبعثه الله يوم القيامة ، فيلجئه إلى الإيمان ، وقيل : معناه إنما يستجيب من كان قلبه حيا ، فأما من كان قلبه ميتا فلا . ثم وصف الموتى بأنه يبعثهم ، ويحكم فيهم ( ثم إليه ) أي : إلى حكمه ( يرجعون ) وقيل : معناه يبعثهم الله من القبور ، ثم يرجعون إلى موقف الحساب . ثم عاد سبحانه إلى حكاية أقوال الكفار ، فقال عاطفا على ما تقدم ( وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه ) هذا إخبار عن رؤساء قريش لما عجزوا من معارضته فيما أتى به من القرآن ، اقترحوا عليه مثل آيات الأولين ، كعصا موسى ، وناقة ثمود ، فقال سبحانه في موضع آخر ( أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب ) وقال ههنا : ( قل ) يا محمد
تفسير مجمع البيان — صفحة 46 | الشيخ الطبرسي / لجنة من العلماء والمحققين الأخصائيين