تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مجمع البيان — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
بطول الإمهال في النعم السابغة ، والمنن المتظاهرة ( ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات ) أي : الدلالات والحجج ، وإنما أضاف الرسل إليهم مع أنهم رسل الله ، لأن المرسل مالك الرسالة ، وقد ملك العباد الانتفاع بها ، والاهتداء بما فيها من البيان ( فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل ) معناه : فما أهلكناهم إلا وقد كان في معلومنا أنهم لا يؤمنون أبدا ، عن مجاهد ، قال : ويريد بقوله ( من قبل ) من قبل الهلاك وهو بمنزلة قوله : ( ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ) . وقيل : معناه إن عتوهم في كفرهم ، وتمردهم فيه ، يحملهم على أن لا يتركوه إلى الإيمان ، فما كانوا ليؤمنوا بعد أن جاءتهم الرسل بالمعجزات ، بما كذبوا به من قبل رؤيتهم تلك البينات ، عن الحسن . وقيل : معناه ما كان هؤلاء الخلف ليؤمنوا بما كذب به أوائلهم من الأمم . قال الأخفش : بما كذبوا معناه بتكذيبهم ، فجعل ما مصدرية . ( كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين ) قيل : إن الله سبحانه شبه الكفر بالصدأ ( 1 ) ، لأنه يذهب عن القلوب بحلاوة الإيمان ، ونور الاسلام ، كما يذهب الصدأ بنور السيف ، وصفاء المرآة . ولما صاروا عند أمر الله لهم بالإيمان إلى الكفر ، جاز أن يضيف الله سبحانه الطبع إلى نفسه كما قال : ( زادتهم رجسا إلى رجسهم ) وإن كانت السورة لم تزدهم ذلك ، عن جعفر بن حرب ، والبلخي . ووجه التشبيه في الكاف ، ومعناه : إن دلالته على أنهم لا يؤمنون ، كالطبع علي قلوب الكافرين الذين في مثل صفتهم . وقيل : معناه كما دل الله لكم بالإخبار على أنهم لا يؤمنون ، فكذلك يدل للملائكة بالطبع على أنهم لا يؤمنون . ( وما وجدنا لأكثرهم ) أي : ما وجدنا لأكثر المهلكين ( من عهد ) أي : من وفاء بعهد ، كما يقال : فلان لا عهد له ، أي : لا وفاء له بالعهد ، وليس بحافظ للعهد . ويجوز أن يكون المراد بهذا العهد : ما أودع الله العقول من وجوب شكر المنعم ، وطاعة المالك المحسن ، واجتناب القبائح . ويجوز أن يكون المراد به ما أخذ على المكلفين عنى ألسنة الأنبياء أن يعبدوه ، ولا يشركوا به شيئا ، وهو قول الحسن . ( وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين ) اللام وإن للتأكيد ، والمعنى : وإنا وجدنا
هامش
( 1 ) صدأ الحديد والنحاس ونحوهما : وسخه .