تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مجمع البيان — صفحة 414

مساهمون:

ص٤١٤
موجودا فيكون ماضيا ، وإما أن يكون معدوما فيكون مستقبلا ، وإنما ذكر الأحوال الثلاثة النحويون فجوابه : إن الصحيح أنه لا واسطة في الوجود بين المعدوم والموجود ، كما ذكرت ، غير أن الموجود في أقرب الزمان لا يمتنع أن نسميه حالا ، ونفرق بينه وبين الغابر السالف ، والغابر المنتظر . ووجدت السيد الأجل المرتضى علي بن الحسين الموسوي ذكر في بعض مسائله أن المفسرين تشاغلوا بإيضاح الوجه في التكرار الذي تضمنته هذه الآية ، وظنوا أنه المشكل فيها ، وتركوا ما هو أشد إشكالا من التكرار ، وهو أنه تعالى نفى الجناح عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، فيما يطعمونه بشرط الاتقاء والإيمان وعمل الصالحات ، والإيمان وعمل الصالحات ليس بشرط في نفي الجناح ، فإن المباح إذا وقع من الكافر ، فلا إثم عليه ولا وزر . قال : ولنا في حل هذه الشبهة طريقان أحدهما : أن يضم إلى المشروط المصرح بذكره غيره ، حتى يظهر تأثير ما شرط ، فيكون تقدير الآية : ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا وغيره ، إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ، لأن الشرط في نفي الجناح لا بد من أن يكون له تأثير حتى يكون متى انتفى ، ثبت الجناح . وقد علمنا أن باتقاء المحارم ينتفي الجناح ، فيما يطعم ، فهو الشرط الذي لا زيادة عليه . ولما ولي ذكر الاتقاء الإيمان ، وعمل الصالحات ، ولا تأثير لهما في نفي الجناح ، علمنا أنه أضمر ما تقدم ذكره ليصح الشرط ، ويطابق المشروط ، لان من اتقى المحارم فيما لا يطعم ، لا جناح عليه فيما يطعمه ، ولكنه قد يصح أن يثبت عليه الجناح ، فيما أخل به من واجب ، أو ضيعه من فرض ، فإذا شرطنا انه وقع اتقاء القبيح ممن آمن بالله وعمل الصالحات ، ارتفع الجناح عنه من كل وجه ، وليس بمنكر حذف ما ذكرناه لدلالة الكلام عليه ، فمن عادة العرب أن يحذفوا ما يجري هذا المجرى وتكون قوة الدلالة عليه مغنية عن النطق به ، ومثله قول الشاعر : تراه كأن الله يجدع أنفه * وعينيه إن مولاه ثاب له وفر ( 1 ) لما كان الجدع لا يليق بالعين ، وكانت معطوفة على الانف الذي يليق الجدع
هامش
( 1 ) ثاب : عاد . الوفر من المال أو المتاع : الكثير الواسع .