تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مجمع البيان — صفحة 377

مساهمون:

ص٣٧٧
الأخيرتين . وهذا الضرب قد اطرد فيه الاسكان ، فقالوا : معدي كرب وقالي ، وبادي بدا ، فأسكنوا جميع ذلك . المعنى : ثم أخبر الله تعالى بعظيم فريتهم ، فقال : ( وقالت اليهود يد الله مغلولة ) أي : مقبوضة عن العطاء ، ممسكة عن الرزق ، فنسبوه إلى البخل ، عن ابن عباس ، وقتادة ، وعكرمة ، والضحاك ، قالوا : إن الله كان قد بسط على اليهود حتى كانوا من أكثر الناس مالا ، وأخصبهم ناحية ، فلما عصوا الله في محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وكذبوه ، كف الله عنهم ما بسط عليهم من السعة ، فقال عند ذلك فنحاص بن عاذورا ( يد الله مغلولة ) ، ولم يقل إلى عنقه . قال أهل المعاني : إنما قال فنحاص ولم ينهه الآخرون ، ورضوا بقوله ، فأشركهم الله في ذلك . وقيل : معناه يد الله مكفوفة عن عذابنا ، فليس يعذبنا إلا بما يبر به قسمه ، قدر ما عبد آباؤنا العجل ، عن الحسن . وقيل : إنه استفهام ، وتقديره أيد الله مغلولة عنا ، حيث قتر المعيشة علينا ( 1 ) . وقال أبو القاسم البلخي : يجوز أن يكون اليهود قالوا قولا ، واعتقدوا مذهبا ، يؤدي معناه إلى أن الله يبخل في حال ، ويجود في حالة أخرى ، فحكى عنهم ذلك على وجه التعجيب منهم ، والتكذيب لهم . ويجوز أن يكونوا قالوا ذلك على وجه الهزؤ ، من حيث لم يوسع على النبي ، وعلى أصحابه . وليس ينبغي أن يتعجب من قوم يقولون لموسى : ( اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ) ويتخذون العجل إلها أن يقولوا : إن الله يبخل تارة ، ويجود أخرى . وقال الحسين بن علي المغربي : حدثني بعض اليهود بمصر أن طائفة منهم قالت ذلك . ( غلت أيديهم ) قيل فيه أقوال أحدها : إنه على سبيل الإخبار ، أي : غلت أيديهم في جهنم ، عن الحسن ، واختاره الجبائي ، ومعناه شدت إلى أعناقهم ، وتأويله أنهم جوزوا على هذا القول بهذا الجزاء ، فعلى هذا يكون في الكلام ضمير الفاء ، أو الواو ، وتقديره فغلت أيديهم ، أو وغلت ، لان كلامهم قد تم ، واستؤنف بعده كلام آخر ، ومن عاداتهم أنهم يحذفون فيما يجري هذا المجرى ، ومن ذلك قوله ( وإذ قال موسى لقومه يا قوم إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا ) والمراد فقالوا : لان كلام موسى قد تم . وثانيها : أن يكون القول خرج مخرج الدعاء ، كما يقال : قاتله الله ، عن أبي مسلم . وعلى هذا فيكون معناه تعليمنا
هامش
( 1 ) التقتير : التضييق في النفقة .