تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مجمع البيان — صفحة 375

مساهمون:

ص٣٧٥
ألا طرقت مي هيوما بذكرها * وأيدي الثريا جنح في المغارب ( 1 ) وأصل هذه الاستعارة لثعلبة بن صعير في قوله ( ألقت ذكاء يمينها في كافر ) ( 2 ) فجعل للشمس يدا في المغيب ، لما أراد أن يصفها بالغروب ، ثم للبيد في قوله : حتى إذا ألقت يدا في كافر * وأجن عورات الثغور ظلامها ( 3 ) وقد يستعار اليد في مواضع كثيرة يطول ذكرها ، ولما كان الجواد ينفق باليد ، والبخيل يمسك باليد ، عن الانفاق ، أضافوا الجود والبخل إلى اليد ، فقالوا للجواد مبسوط اليد ، وبسط البنان ، فياض الكف ، وللبخيل كز الأصابع ، مقبوض الكف ، جعل الأنامل ، في أشباه لهذا كثيرة معروفة في أشعارهم . وأنكر الزجاج على من ذهب إلى أن معنى اليد في الآية : النعمة ، بأن قال : إن هذا ينقضه قوله : ( بل يداه مبسوطتان ) فيكون المعنى : بل نعمتاه مبسوطتان ، ونعم الله أكثر من أن تحصى . قال أبو علي الفارسي : قوله : نعمتاه مبسوطتان ، لا يدل على تقليل النعمة ، وعلى أن نعمته نعمتان ثنتان ، ولكنه يدل على الكثرة والمبالغة ، فقد جاء بالتثنية ، ويراد به الكثرة والمبالغة ، وتعداد الشئ لا المعنى الذي يشفع الواحد المفرد ، ألا ترى إلى قولهم : لبيك إنما هو إقامة على طاعتك بعد إقامة ، وكذلك سعديك إنما هو مساعدة بعد مساعدة ، وليس المراد بذلك طاعتين اثنتين ، ولا مساعدتين ، فكذلك المعنى في الآية إن نعمه متظاهرة متتابعة ، فهذا وجه . وإن شئت حملت المثنى على أنه تثنية جنس ، لا تثنية واحد مفرد ، ويكون أحد جنسي النعمة نعمة الدنيا ، والآخر نعمة الآخرة ، أو نعمة الدين ، فلا يكون التثنية على هذا مرادا بها اثنتين . وقد جاء تثنية اسم الجنس في كلامهم مجيئا واسعا ، قال الفرزدق : وكل رفيقي كل رحل وإن هما * تعاطى القنا قوما هما أخوان ( 4 )
هامش
( 1 ) مي : اسم امرأة . الهيوم : المتحير وجنح إليه : مال ، أراد قرب الثريا من المغرب لأفولها فجعل لها أيديا جنحا نحوها . ( 2 ) ذكاء : اسم علم للشمس . ( 3 ) مضى البيت بمعناه . ( 4 ) الشعر في جامع الشواهد .
تفسير مجمع البيان — صفحة 375 | الشيخ الطبرسي / لجنة من العلماء والمحققين الأخصائيين