الحجة : قال ابن جني : ظلم وظلم جميعا على الاستثناء المنقطع : أي لكن
من ظلم فإن الله لا يخفى عليه أمره ، ودل عليه قوله ( وكان الله سميعا عليما ) وموضع
( من ) نصب في الوجهين جميعا . قال الزجاج : فيكون المعنى : لكن المظلوم يجهر
بظلامته تشكيا ، ولكن الظالم يجهر بذلك ظلما ، قال : ويجوز أن يكون موضع
( من ) رفعا على معنى : لا يحب الله أن يجهر بالسوء من القول إلا من ظلم ، فيكون
( من ) بدلا من معنى أحد . والمعنى : لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول
إلا المظلوم . قال : وفيها وجه آخر لا أعلم أحدا من النحويين ذكره ، وهو أن يكون
على معنى : لكن الظالم أجهروا له بالسوء من القول .
المعنى : ( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول ) قيل في معناه أقوال أحدها :
لا يحب الله الشتم في الانتصار ( إلا من ظلم ) فلا بأس له أن ينتصر ممن ظلمه بما
يجوز الانتصار به في الدين ، عن الحسن ، والسدي ، وهو المروي عن أبي
جعفر عليه السلام . ونظيره : ( وانتصروا من بعد ما ظلموا ) . قال الحسن : ولا يجوز
للرجل إذا قيل له : يا زاني ! أن يقابل له بمثل ذلك من أنواع الشتم . وثانيها : إن
معناه لا يحب الله الجهر بالدعاء على أحد إلا أن يظلم انسان فيدعو على من ظلمه ،
فلا يكره ذلك ، عن ابن عباس ، وقريب منه قول قتادة . ويكره رفع الصوت بما يسوء
الغير إلا المظلوم يدعو على من ظلمه . وثالثها : إن المراد لا يحب أن يذم أحدا
أحد ، أو يشكوه ، أو يذكره بالسوء ، إلا أن يظلم ، فيجوز له أن يشكو من ظلمه ،
ويظهر أمره ، ويذكره بسوء ما قد صنعه ، ليحذره الناس ، عن مجاهد .
وروي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه الضيف ينزل بالرجل ، فلا يحسن ضيافته ، فلا
جناح عليه في أن يذكره بسوء ما فعله ( وكان الله سميعا ) لما يجهر به من سوء القول
( عليما ) بصدق الصادق ، وكذب الكاذب ، فيجازي كلا بعمله . وفي هذه الآية
دلالة على أن الرجل إذا هتك ستره ، وأظهر فسقه ، جاز إظهار ما فيه . وقد جاء في
الحديث : " قولوا في الفاسق ما فيه ، يعرفه الناس ، ولا غيبة لفاسق " . وفيها ترغيب
في مكارم الأخلاق ، ونهي عن كشف عيوب الخلق ، وإخبار بتنزيه ذاته تعالى ، عن
إرادة القبائح ، فإن المحبة إذا تعلقت بالفعل ، فمعناها الإرادة .
ثم خاطب سبحانه جميع المكلفين فقال ( إن تبدوا ) أي تظهروا ( خيرا ) أي :
حسنا جميلا من القول ، لمن أحسن إليكم ، شكرا على إنعامه عليكم . ( أو تخفوه )
تفسير مجمع البيان — صفحة 225
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٢٢٥