تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مجمع البيان — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
بهما لأنهما قد ذكرا كما قال ( وله أخ أو أخت ) فلكل واحد منهما . وقيل : إنما جاز ذلك لأنه أضمر فيه من خاصم على ما نذكره في المعنى مشروحا و ( أن تعدلوا ) : يجوز أن يكون في موضع نصب بأنه مفعول له : أي هربا من أن تعدلوا ، وكراهة أن تعدلوا . ويجوز أن يكون في موضع جر على معنى : فلا تتبعوا الهوى لتعدلوا . المعنى : لما ذكر سبحانه أن عنده ثواب الدنيا والآخرة ، عقبه بالأمر بالقسط ، والقيام بالحق ، وترك الميل والجور ، فقال : ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط ) أي : دائمين على القيام بالعدل ، ومعناه : ولتكن عادتكم القيام بالعدل في القول والفعل . ( شهداء لله ) : وهو جمع شهيد ، أمر الله تعالى عباده بالثبات والدوام على قول الحق ، والشهادة بالصدق ، تقربا إليه وطلبا لمرضاته ، وعن ابن عباس : " كونوا قوالين بالحق في الشهادة على من كانت ، ولمن كانت ، من قريب أو بعيد " ( ولو على أنفسكم ) أي : ولو كانت شهادتكم على أنفسكم ( أو الوالدين والأقربين ) أي : على والديكم ، وعلى أقرب الناس إليكم ، فقوموا فيها بالقسط والعدل ، وأقيموها على الصحة والحق ، ولا تميلوا فيها لغنى غني ، أو لفقر فقير ، فإن الله قد سوى بين الغني والفقير فيما ألزمكم ، من إقامة الشهادة لكل واحد منهما بالعدل . وفي هذا دلالة على جواز شهادة الولد لوالده ، والوالد لولده ، وعليه وشهادة كل ذي قرابة لقريبه ، وعليه وإليه ، ذهب ابن عباس في قوله : أمر الله سبحانه المؤمنين أن يقولوا الحق ، ولو على أنفسهم ، أو آبائهم ، ولا يحابوا غنيا لغناه ، ولا مسكينا لمسكنته . وقال ابن شهاب الزهري : كان سلف المسلمين على ذلك ، حتى دخل الناس فيما بعدهم ، وظهرت منهم أمور ، حملت الولاة على اتهامهم ، فتركت شهادة من يتهم . وأما شهادة الانسان على نفسه ، فيكون بالإقرار للخصم ، فإقراره له شهادة منه على نفسه ، وشهادته لنفسه لا تقبل . ( إن يكن غنيا أو فقيرا ) معناه : إن يكن المشهود عليه غنيا أو فقيرا ، أو المشهود له غنيا أو فقيرا ، فلا يمنعكم ذلك عن قول الحق ، والشهادة بالصدق ، وفائدة ذلك أن الشاهد ربما امتنع عن إقامة الشهادة للغني على الفقير ، لاستغناء المشهود له ، وفقر المشهود عليه فلا يقيم الشهادة شفقة على الفقير ، وربما امتنع عن إقامة الشهادة للفقير على الغني ، تهاونا للفقير ، وتوقيرا للغني ، أو خشية منه ، أو حشمة له ، فبين سبحانه بقوله ( فالله أولى بهما ) أنه أولى بالغني والفقير ، وأنظر لهما من سائر الناس ، أي : فلا تمتنعوا من إقامة الشهادة على