تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مجمع البيان — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
وقيل : معنى ( أسلم وجهه لله ) : قصده بالعبادة وحده ، كما أخبر عن إبراهيم عليه السلام أنه قال ( وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض ) . وقيل : معناه أخلص أعماله لله أي : أتى بها مخلصا لله فيها ( وهو محسن ) أي : فاعل للفعل الحسن الذي أمره الله تعالى . وقيل معناه : وهو محسن في جميع أقواله وأفعاله . وقيل : إن المحسن هنا الموحد ، وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن الاحسان فقال : " أن تعبد الله تعالى كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " . ( واتبع ملة إبراهيم ) أي اقتدى بدينه وسيرته وطريقته ، يعني ما كان عليه إبراهيم وأمر به بنيه من بعده ، وأوصاهم به ، من الإقرار بتوحيده ، وعدله ، وتنزيهه عما لا يليق به ، ومن ذلك الصلاة إلى الكعبة ، والطواف حولها ، وسائر المناسك ( حنيفا ) أي : مسستقيما على منهاجه وطريقه . وقد مر معنى الحنيف في سورة البقرة ( واتخذ الله إبراهيم خليلا ) أي : محبا لا خلل في مودته لكمال خلته . والمراد بخلته لله أنه كان مواليا لأولياء الله ، ومعاديا لأعداء الله . والمراد بخلة الله تعالى له : نصرته على من أراده بسوء ، كما أنقذه من نار نمرود ، وجعلها عليه بردا وسلاما ، وكما فعله بملك مصر ، حين راوده عن أهله ، وجعله إماما للناس ، وقدوة لهم . قال الزجاج : جايز أن يكون سمي خليل الله بأنه الذي أحبه الله ، بأن اصطفاه محبة تامة كاملة ، وأحب الله هو ، محبة تامة كاملة ، وقيل : سمي خليلا لأنه افتقر إلى الله ، وتوكل عليه ، وانقطع بحوائجه إليه ، وهو اختيار الفراء ، وأبي القاسم البلخي . وإنما خصه الله بهذا الاسم ، وإن كان الخلق كلهم فقراء إلى رحمته ، تشريفا له بالنسبة إليه ، من حيث أنه فقير إليه ، لا يرجو لسد خلته سواء ، كما خص موسى بأنه كليم الله ، وعيسى بأنه روح الله ، ومحمدا بأنه حبيب الله . وقيل : إنما سمي خليلا ، لأنه سبحانه خصه بما لم يخص به غيره ، من إنزال الوحي عليه ، وغير ذلك من خصائصه . وإنما خصه من بين سائر الأنبياء بهذا الاسم على المعنيين اللذين ذكرناهما ، وإن كان كل واحد من الأنبياء خليل الله في زمانه ، لأنه سبحانه خصهم بالنبوة . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : " قد اتخذ الله صاحبكم خليلا - يعني نفسه " - وهذا الوجه اختيار أبي علي الجبائي . قال : وكل ما تعبد الله به إبراهيم فقد تعبد به نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ، وزاده أشياء لم يتعبد بها إبراهيم عليه السلام . ومما قيل في وجه خلة