ثم حكى عنهم أنهم ( قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين ) في عزمنا على حرمان
المساكين من حصتهم عند الصرام ، فحرمنا قطعها ، وبالانتفاع بها . والمعنى : إنه
سبحانه منزه عن الظلم ، فلم يفعل بنا ما فعله ظلما ، وإنما الظلم وقع منا حيث منعنا
الحق ( فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون ) أي يلوم بعضهم بعضا على ما فرط منهم
( قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين ) قد غلونا في الظلم ، وتجاوزنا الحد فيه . والويل :
غلظ المكروه الشاق على النفس . والويس دونه ، والويح بينهما . قال عمرو بن
عبيد : يجوز أن يكون ذلك منهم توبة ، ويجوز أن يكون على حد ما يقول الكافر إذا
وقع في الشدة ( عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها ) أي : لما تابوا ورجعوا إلى الله ،
قالوا : لعل الله يخلف علينا ، ويولينا خيرا من الجنة التي هلكت ( إنا إلى ربنا
راغبون ) أي نرغب إلى الله ، ونسأله ذلك ، ونتوب إليه مما فعلناه . وقرئ يبدلنا
بالتشديد والتخفيف ، ومعناهما واحد ( كذلك العذاب ) في الدنيا للعاصين ( ولعذاب
الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ) والأكبر هو الذي يصغر مقدار غيره بالإضافة إليه .
وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال : بلغني أن القوم أخلصوا ، وعرف الله تعالى
منهم الصدق ، فأبدلهم بها جنة يقال لها الحيوان ، فيها عنب يحمل البغل منها
عنقودا . وقال أبو خالد اليمامي : رأيت تلك الجنة ، ورأيت كل عنقود منها كالرجل
الأسود القائم .
( إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم ( 34 ) أفنجعل المسلمين كالمجرمين ( 35 ) مالكم
كيف تحكمون ( 36 ) أم لكم كتاب فيه تدرسون ( 37 ) إن لكم فيه لما تخيرون ( 38 ) أم لكم أيمان
علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون ( 39 ) سلهم أيهم بذلك زعيم ( 40 ) أم لهم
شركاء فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين ( 41 ) يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا
يستطيعون ( 42 ) خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون ( 43 )
فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ( 44 ) وأملي لهم إن
كيدي متين ( 45 ) .
اللغة : الزعيم والكفيل والضمين والقبيل نظائر . والساق للإنسان . وساق
تفسير مجمع البيان — صفحة 94
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٩٤