المعنى لا أعبد الأصنام التي تعبدونها ، ولا أنتم عابدون الله الذي أنا عابده ، إذا
أشركتم به ، واتخذتم الأصنام وغيرها تعبدونها من دونه . وإنما يعبد الله من أخلص
العبادة له ، ولا أنا عابد ما عبدتم أي : لا أعبد عبادتكم فيكون ما مصدرية . ولا أنتم
عابدون ما أعبد أي : وما تعبدون عبادتي على نحو ما ذكرناه . فأراد في الأول
المعبود ، وفي الثاني العبادة . فإن قيل : أما اختلاف المعبودين فمعلوم ، فما معنى
اختلاف العبادة ؟ قلنا : إنه يعبد الله على وجه الإخلاص ، وهم يشركون به في
عبادته ، فاختلفت العبادتان . ولأنه كان يتقرب بعبادته إلى معبوده بالأفعال المشروعة
الواقعة على وجه العبادة ، وهم لا يفعلون ذلك ، وإنما يتقربون إليه بأفعال يعتقدونها
قربة جهلا من غير شرع .
( لكم دينكم ولي دين ) ذكر فيه وجوه أحدها : إن معناه لكم جزاء دينكم ، ولي
جزاء ديني . فحذف المضاف ، وأقام المضاف إليه مقامه وثانيها : إن المعنى لكم
كفركم بالله ، ولي دين التوحيد والإخلاص . وهذا وإن كان ظاهره إباحة ، فإنه وعيد
وتهديد ، ومبالغة في النهي والزجر ، كقوله : اعملوا ما شئتم وثالثها : إن الدين
الجزاء ، ومعناه : لكم جزاؤكم ، ولي جزائي . قال الشاعر :
إذا ما لقونا لقيناهم * ودناهم مثل ما يقرضونا
وقد تضمنت السورة معجزة لنبينا ( ص ) من جهة الإخبار بما يكون في الأوقات
المستقبلة ، مما لا سبيل إلى علمه إلا بوحي من قبل الله سبحانه ، العالم بالغيوب .
فكان ما أخبر به كما أخبر . وفيها دلالة على ذم المداهنة في الدين ، ووجوب مخالفة
الكفار والمبطلين ، والبراءة منهم . وروى داود بن الحصين ، عن أبي عبد الله ( ع )
قال : إذا قرأت ( قل يا أيها الكافرون ) فقل : أيها الكافرون . وإذا قلت ( لا أعبد ما
تعبدون ) فقل : أعبد الله وحده . وإذا قلت ( لكم دينكم ولي دين ) فقل : ربي الله ،
وديني الاسلام .
تفسير مجمع البيان — صفحة 465
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٤٦٥