بعد زمرة ، والمراد بالدين الاسلام ، والتزام أحكامه ، واعتقاد صحته ، وتوطين النفس
على العمل به . قال الحسن : لما فتح رسول الله ( ص ) مكة ، قالت العرب : أما إذا
ظفر محمد ( ص ) بأهل الحرم ، وقد أجارهم الله من أصحاب الفيل ، فليس لكم به
يدان أي : طاقة . فكانوا يدخلون في دين الله أفواجا أي : جماعات كثيرة بعد أن
كانوا يدخلون فيه واحدا واحدا ، أو اثنين . فصارت القبيلة تدخل بأسرها في
الاسلام . وقيل في دين الله أي : في طاعة الله وطاعتك ، وأصل الدين الجزاء . ثم
يعبر به عن الطاعة التي يستحق بها الجزاء ، كما قال سبحانه ( في دين الملك ) أي :
في طاعته .
( فسبح بحمد ربك واستغفره ) هذا أمر من الله سبحانه بأن ينزهه عما لا يليق به
من صفات النقص ، وأن يستغفره . ووجه وجوب ذلك بالنصر والفتح أن النعمة
تقتضي القيام بحقها ، وهو شكر المنعم ، وتعظيمه ، والائتمار بأوامره ، والانتهاء عن
معاصيه . فكأنه قال : قد حدث أمر يقتضي الشكر والاستغفار ، وإن لم يكن ثم
ذنب ، فإن الاستغفار قد يكون عند ذكر المعصية بما ينافي الإصرار . وقد يكون على
وجه التسبيح ، والانقطاع إلى الله ، عز وجل . ( إنه كان توابا ) يقبل توبة من بقي ،
كما قبل توبة من مضى . قال مقاتل : لما نزلت هذه السورة قرأها ( ص ) على أصحابه
ففرحوا واستبشروا ، وسمعها العباس فبكى . فقال ( ص ) : ما يبكيك يا عم ؟ فقال :
أظن أنه قد نعيت إليك نفسك يا رسول الله . فقال : إنه لكما تقول . فعاش بعدها
سنتين ما رؤي فيهما ضاحكا مستبشرا . قال : وهذه السورة تسمى سورة التوديع وقال
ابن عباس : لما نزلت ( إذا جاء نصر الله ) قال : نعيت إلي نفسي بأنها مقبوضة في
هذه السنة . واختلف في أنهم من أي وجه علموا ذلك ، وليس في ظاهره نعي ،
فقيل : لأن التقدير فسبح بحمد ربك فإنك حينئذ لاحق بالله ، وذائق الموت كما ذاق
من قبلك من الرسل ، وعند الكمال يرقب الزوال ، كما قيل :
إذا تم أمر ، بدا نقصه ، * توقع زوالا إذا قيل : تم
وقيل : لأنه سبحانه أمره بتجديد التوحيد ، واستدراك الفائت بالاستغفار ، وذلك
مما يلزم عند الانتقال من هذه الدار إلى دار الأبرار . وعن عبد الله بن مسعود قال : لما
نزلت السورة كان النبي ( ص ) يقول كثيرا : " سبحانك اللهم وبحمدك . اللهم اغفر
لي إنك أنت التواب الرحيم " . وعن أم سلمة قالت : كان رسول الله ( ص ) بالآخرة لا
تفسير مجمع البيان — صفحة 467
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٤٦٧