تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم ) . وقد نبه الله سبحانه على تفصيل الحالتين
بقوله : ( سيذكر من يخشى ) أي سيتعظ بالقرآن من يخشى الله تعالى ، ويخاف
عقابه . ( ويتجنبها ) أي يتجنب الذكرى والموعظة ( الأشقى ) أي أشقى العصاة فإن
للعاصين درجات في الشقاوة ، فأعظمهم درجة فيها الذي كفر بالله وتوحيده ، وعبد
غيره . وقيل : الأشقى من الاثنين من يخشى ومن يتجنب ، عن أبي مسلم .
( الذي يصلى النار الكبرى ) أي يلزم أكبر النيران ، وهي نار جهنم . والنار
الصغرى : نار الدنيا ، عن الحسن . وقيل : إن النار الكبرى هي الطبقة السفلى من
جهنم ، عن الفراء . ( ثم لا يموت فيها ) فيستريح ( ولا يحيى ) حياة ينتفع بها ، بل
صارت حياته وبالا عليه ، يتمنى زوالها ، لما هو معها من فنون العقاب ، وألوان
العذاب . وقيل : ولا يحيى أي ولا يجد روح الحياة . ( قد أفلح من تزكى ) أي قد
فاز من تطهر من الشرك ، وقال : لا إله إلا الله ، عن عطاء وعكرمة . وقيل : معناه قد
ظفر بالبغية من صار زاكيا بالأعمال الصالحة والورع ، عن ابن عباس والحسن وقتادة .
وقيل : زكى أي : أعطى زكاة ماله ، عن ابن مسعود . وكان يقول : قد رحم الله امرأ
تصدق ، ثم صلى ، ويقرأ هذه الآية . وقيل : أراد صدقة الفطرة ، وصلاة العيد ، عن
أبي عمرو وأبي العالية وعكرمة وابن سيرين . وروي ذلك مرفوعا عن أبي
عبد الله ( ع ) . ومتى قيل على هذا القول : كيف يصح ذلك والسورة مكية ، ولم يكن
هناك صلاة عيد ، ولا زكاة ، ولا فطرة ؟ قلنا : يحتمل أن يكون نزلت أوائلها بمكة ،
وختمت بالمدينة .
( وذكر اسم ربه فصلى ) أي وحد الله ، عن ابن عباس . وقيل : ذكر الله بقلبه
عند صلاته فرجا ثوابه ، وخاف عقابه ، فإن الخشوع في الصلاة بحسب الخوف
والرجاء . وقيل : ذكر اسم ربه بلسانه عند دخوله في الصلاة ، فصلى بذلك الاسم أي
قال : الله أكبر ، لأن الصلاة لا تنعقد إلا به . وقيل : هو أن يفتتح ببسم الله الرحمن
الرحيم ، ويصلي الصلوات الخمس المكتوبة .
ثم قال سبحانه مخاطبا للكفار : ( بل تؤثرون ) أي تختارون ( الحياة الدنيا )
على الآخرة ، فتعملون لها ، وتعمرونها ، ولا تتفكرون في أمر الآخرة . وقيل : هو
عام في المؤمن والكافر بناء على الأعم الأغلب في أمر الناس . قال عبد الله بن
مسعود : إن الدنيا اخضرت لنا ، وعجل لنا طعامها وشرابها ونساؤها ولذتها وبهجتها .
تفسير مجمع البيان — صفحة 331
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٣٣١