( الذي خلق ) الخلق ( فسوى ) بينهم في باب الإحكام والإتقان . وقيل : خلق
كل ذي روح فسوى يديه وعينيه ورجليه ، عن الكلبي . وقيل : خلق الانسان فعدل
قامته ، عن الزجاج . يعني أنه لم يجعله منكوسا كالبهائم والدواب . وقيل : خلق
الأشياء على موجب إرادته وحكمته ، فسوى صنعها لتشهد على وحدانيته ( والذي قدر
فهدى ) أي قدر الخلق على ما خلقهم فيه من الصور والهيئات ، وأجرى لهم أسباب
معايشهم من الأرزاق والأقوات ، ثم هداهم إلى دينه بمعرفة توحيده بإظهار الدلالات
والبينات . وقيل : معناه قدر أقواتهم ، وهداهم لطلبها . وقيل : قدرهم على ما
اقتضته حكمته فهدى أي : أرشد كل حيوان إلى ما فيه منفعته ومضرته ، حتى إنه
سبحانه هدى الطفل إلى ثدي أمه ، وهدى الفرخ حتى طلب الزق ( 1 ) من أبيه وأمه ،
والدواب والطيور حتى فزع كل منهم إلى أمه ، وطلب المعيشة من جهته سبحانه
وتعالى . وقيل : قدرهم ذكورا وإناثا ، وهدى الذكر كيف يأتي الأنثى ، عن مقاتل
والكلبي . وقيل : هدى إلى سبيل الخير والشر ، عن مجاهد . وقيل : قدر الولد في
البطن تسعة أشهر ، أو أقل ، أو أكثر ، وهدى للخروج منه للتمام ، عن السدي .
وقيل : قدر المنافع في الأشياء ، وهدى الانسان لاستخراجها منه ، فجعل بعضها
غذاء ، وبعضها دواء ، وبعضها سما وهدى إلى ما يحتاج إلى استخراجها من الجبال
والمعادن ، كيف تستخرج ، وكيف تستعمل .
( والذي أخرج المرعى ) أي أنبت الحشيش من الأرض لمنافع جميع
الحيوان ، وأقواتهم ( فجعله ) بعد الخضرة ( غثاء ) أي هشيما جافا كالغثاء الذي تراه
فوق السيل ( أحوى ) أي أسود بعد الخضرة ، وذلك أن الكلأ إذا يبس أسود . وقيل :
معناه أخرج العشب وما ترعاه النعم . ( أحوى ) أي شديد الخضرة يضرب إلى السواد ،
من شدة خضرته ، فجعله غثاء أي يابسا بعد ما كان رطبا ، وهو قوت البهائم في
الحالين . فسبحان من دبر هذا التدبير ، وقدر هذا التقدير . وقيل : إنه مثل ضربه الله
تعالى لذهاب الدنيا بعد نضارتها . ( سنقرئك فلا تنسى ) أي سنأخذ عليك قراءة
القرآن ، فلا تنسى ذلك . وقيل : معناه سيقرأ عليك جبرائيل القرآن بأمرنا ، فتحفظه
ولا تنساه . قال ابن عباس : كان النبي ( ص ) إذا نزل عليه جبرائيل ( عليه السلام بالوحي ،
يقرأه مخافة أن ينساه ، فكان لا يفرغ جبرائيل ( ع ) من آخر الوحي حتى يتكلم هو
هامش
( 1 ) الزق : إطعام الطائر فرخه بمنقاره .