بأوله . فلما نزلت هذه الآية لم ينس بعد ذلك شيئا .
( إلا ما شاء الله ) أن ينسيكه بنسخه من رفع حكمه وتلاوته ، عن الحسن
وقتادة . وعلى هذا فالإنشاء نوع من النسخ ، وقد مر بيانه في سورة البقرة عند قوله
( ما ننسخ من آية أو ننسها ) الآية . وقيل : معناه إلا ما شاء الله أن يؤخر إنزاله
عليك ، فلا تقرأه . وقيل : إلا ما شاء الله كالاستثناء في الإيمان ، وإن لم يقع منه
مشيئة النسيان . قال الفراء : لم يشأ الله أن ينسى ( ص ) شيئا ، فهو كقوله ( خالدين
فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك ولا يشاء ) وكقول القائل : لأعطينك
كل ما سألت إلا ما شئت ، وإلا أن أشاء أن أمنعك . والنية أن لا يمنعه ، ومثله
الاستثناء في الإيمان . ففي الآية بيان لفضيلة النبي ( ص ) وإخبار أنه مع كونه ( ص )
أميا ، كان يحفظ القرآن ، وأن جبرائيل ( ع ) كان يقرأ عليه سورة طويلة ، فيحفظه
بمرة واحدة ، ثم لا ينساه . وهذه دلالة على الإعجاز الدال على نبوته .
( إنه يعلم الجهر وما يخفى ) معناه أن الله سبحانه يعلم العلانية والسر .
والجهر : رفع الصوت . ونقيضه الهمس . والمعنى : إنه سبحانه يحفظ عليك ما
جهرت به ، وما أخفيته مما تريد أن تعيه ( ونيسرك لليسرى ) اليسرى هي الفعلي من
اليسر ، وهو سهولة عمل الخير . والمعنى : نوفقك للشريعة اليسرى ، وهي
الحنيفية ، ونهون عليك الوحي ، ونسهله حتى تحفظه ولا تنساه ، وتعمل به ولا
تخالفه . وقيل : معناه نسهل لك من الإلطاف والتأييد ، ما يثبتك على أمرك ، ويسهل
عليك المستصعب من تبليغ الرسالة ، والصبر عليه ، عن أبي مسلم . وهذا أحسن ما
قيل فيه ، فإنه يتصل بقوله : ( سنقرؤك فلا تنسى ) فكأنه سبحانه أمره بالتبليغ ، ووعده
النصر ، وأمره بالصبر . وقيل : إن اليسرى عبارة عن الجنة ، فهي اليسرى الكبرى
أي : نيسر لك دخول الجنة ، عن الجبائي . فذكر أمر النبي ( ص ) أن يذكر
الخلق ويعظهم .
( إن نفعت الذكرى ) وإنما قال ذلك ، وذكراه تنفع لا محالة في عمل الإيمان ،
والامتناع من العصيان ، لأنه ليس بشرط حقيقة ، وإنما هو إخبار عن أنه ينفع لا محالة
في زيادة الطاعة ، والانتهاء عن المعصية ، كما يقال : سله إن نفع السؤال . وقيل :
معناه عظهم إن نفعت الموعظة ، أو لم تنفع ، لأنه ( ص ) بعث للإعذار والإنذار ،
فعليه التذكير في كل حال ، نفع أو لم ينفع . ولم يذكر الحالة الثانية كقوله ( سرابيل
تفسير مجمع البيان — صفحة 330
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٣٣٠