أليس قد أتى عليك دهور لم تكن شيئا مذكورا ، ثم ذكرت ، وكل أحد يعلم من نفسه
أنه لم يكن موجودا ثم وجد ، فإذا تفكر في ذلك علم أن له صانعا صنعه ، ومحدثا
أحدثه . والمراد بالإنسان هنا آدم عليه السلام . وهو أول من سمي به ، عن الحسن وقتادة
وسفيان والجبائي . وقيل : إن المراد به كل انسان ، والألف واللام للجنس ، عن أبي
مسلم . وقيل : إنه أتى على آدم عليه السلام أربعون سنة ، لم يكن شيئا مذكورا لا في
السماء ولا في الأرض ، بل كان جسدا ملقى من طين ، قبل أن ينفخ فيه الروح .
وروى عطاء عن ابن عباس ، أنه تم خلقه بعد عشرين ومائة سنة . وروى العياشي
بإسناده عن عبد الله بن بكير ، عن زرارة قال : سألت أبا جعفر عليه السلام عن قوله ( لم
يكن شيئا مذكورا ) قال : كان شيئا . ولم يكن مذكورا .
وبإسناده عن سعيد الحداد ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : كان مذكورا في العلم ،
ولم يكن مذكورا في الخلق . وعن عبد الأعلى مولى آل سام ، عن أبي عبد الله عليه السلام
مثله . وعن حمران بن أعين قال : سألت عنه فقال : كان شيئا مقدورا ، ولم يكن
مكونا . وفي هذا دلالة على أن المعدوم معلوم ، وإن لم يكن مذكورا ، وأن المعدوم
يسمى شيئا ، فإذا حملت الانسان على الجنس ، فالمراد أنه قبل الولادة ، لا يعرف ،
ولا يذكر ، ولا يدرى من هو ، وما يراد به ، بل يكون معدوما ، ثم يوجد في صلب
أبيه ، ثم في رحم أمه ، إلى وقت الولادة . وقيل : المراد به العلماء ، لأنهم كانوا لا
يذكرون ، فصيرهم الله سبحانه بالعلم مذكورين بين الخاص والعام في حياتهم ، وبعد
مماتهم ، وسمع عمر بن الخطاب رجلا يقرأ هذه الآية فقال : ليت ذلك ثم يعني ليت
آدم بقي على ما كان ، فكان لا يلد ولا يبتلى أولاده .
ثم قال سبحانه : ( إنا خلقنا الانسان ) يعني ولد آدم عليه السلام ( من نطفة ) وهي
ماء الرجل والمرأة الذي يخلق منه الولد ( أمشاج ) أي أخلاط من ماء الرجل وماء
المرأة في الرحم ، فأيهما علا ماء صاحبه ، كان الشبه له ، عن ابن عباس والحسن
وعكرمة ومجاهد . وقيل : أمشاج أطوار طورا نطفة ، وطورا علقة ، وطورا مضغة ،
وطورا عظاما إلى أن صار إنسانا ، عن قتادة . وقيل : أراد اختلاف ألوان النطفة ،
فنطفة الرجل بيضاء وحمراء ، ونطفة المرأة خضراء وصفراء ، فهي مختلفة الألوان ،
عن مجاهد والضحاك والكلبي ، وروي أيضا عن ابن عباس . وقيل : نطفة مشجت
بدم الحيض ، فإذا حبلت ارتفع الحيض ، عن الحسن . وقيل : هي العروق التي
تفسير مجمع البيان — صفحة 213
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٢١٣