السابقة التي لا توازيها نعمة منعم ( يغفر لكم من ذنوبكم ) أي فإنكم إن فعلتم ذلك
يغفر لكم ذنوبكم . ومن مزيدة . وقيل : إن ( من ) ههنا للتبعيض ، والمعنى : يغفر
لكم ذنوبكم السالفة ، وهي بعض الذنوب التي تضاف إليكم . ولما كانت ذنوبهم التي
يستأنفونها لا يجوز الوعد بغفرانها على الإطلاق لما يكون في ذلك من الإغراء
بالقبيح ، قيد سبحانه هذا التقييد .
( ويؤخركم إلى أجل مسمى ) وفي هذا دلالة على ثبوت أجلين كأنه شرط في
الوعد بالأجل المسمى عبادة الله والتقوى . فلما لم يقع ذلك منهم ، اقتطعوا بعذاب
الاستيصال قبل الأجل الأقصى بالأجل الأدنى . ثم قال . ( إن أجل الله ) يعني
الأقصى ( إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون ) صحة ذلك ، وتؤمنون به . قال الحسن :
يعني بأجل الله يوم القيامة ، جعله أجلا للبعث . ويجوز أن يكون هذا حكاية عن قول
نوح عليه السلام لقومه أن يكون إخبارا منه سبحانه عن نفسه . ( قال ) نوح ( رب إني دعوت
قومي ليلا ونهارا ) إلى عبادتك ، وخلع الأنداد من دونك ، وإلى الإقرار بنبوتي فلم
يزدهم دعائي إلا فرارا ) أي لم يزدادوا بدعائي إياهم إلا فرارا من قبوله ، ونفارا منه ،
وإدبارا عنه . وإنما سمي كفرهم عند دعائه زيادة في الكفر ، لأنهم كانوا على كفر
وضلال ، فلما دعاهم نوح عليه السلام إلى الإقلاع عن ذلك ، والإقرار به ، ولم يقبلوه
فكفروا بذلك ، كان ذلك زيادة في الكفر ، لأن الزيادة هي إضافة الشئ إلى مقدار قد
كان حاصلا . ولو حصلا جميعا في وقت واحد لم يكن لأحدهما زيادة على الآخر .
( وإني كلما دعوتهم ) إلى إخلاص عبادتك ( لتغفر لهم ) سيئاتهم ( جعلوا
أصابعهم في آذانهم ) لئلا يسمعوا كلامي ودعائي . ( واستغشوا ثيابهم ) أي غطوا بها
وجوههم لئلا يروني ( وأصروا ) أي داموا على كفرهم ( واستكبروا استكبارا ) أي
تكبروا وأنفوا عن قبول الحق . والإصرار : الإقامة على الأمر بالعزيمة عليه . فلما
كانوا عازمين على الكفر ، كانوا مصرين . وقيل . إن الرجل منهم كان يذهب بإبنه إلى
نوح ، فيقول له . احذر هذا لا يغوينك ، فإن أبي قد ذهب بي إليه وأنا مثلك ،
فحذرني مثل ما حذرتك ، عن قتادة ( ثم إني دعوتهم جهارا ) أي بأعلى صوتي ، عن
ابن عباس . وقيل : مجاهرة يرى بعضهم بعضا أي ظاهرا غير خفي .
( ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا ) أي دعوتهم في العلانية وفي
السر . وقيل : معناه إني أعلنت جماعة بالدعوة ، وأسررت جماعة ثم أعلنت للذين
تفسير مجمع البيان — صفحة 132
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص١٣٢